ثمَّ هي تنتصر . . وتصل إلى هدفها ، وتفوز على خصومها وتدحرهم دحراً تامّاً . ومن هنا بالذّات يبدأ الانقسام ، فإنَّ حبّ الكمال وحبّ الترقّي أكثر فأكثر لا زال موجوداً لدى كلّ فردٍ من أفرادها ، والهدف بعد أن صار فعليّاً وصار واقعاً في حياتهم ومطبّقاً في معيشتهم ، لا يرونه شيئاً ويودّون الترقّي عليه والصعود إلى مستوى أرقى وأحسن . ومن هنا تختلف الأفكار وتتشعّب النظريّات ، كلٌّ في حدود ما يمليه عليه تفكيره وتجاربه الخاصّة من خلال تأثير حبّ الذّات في القسم الأوّل من الكلام .
وفي هذا الصدد ، يتجسّم الهدف الجديد في ذهن كلّ شخصٍ على شكلٍ من الأشكال ، غير ما يتجسّم في ذهن شخصٍ آخر ، وعلى هذا الأساس تنقسم الجماعة إلى عدّة أقسام ، فكلّ جماعة تشخّص الهدف الجديد تشخيصاً معيّناً يختلف عن الجماعة الأُخرى ، وتضع له وسائل جديدة وطرقاً خاصّة غير الجماعة الأُخرى . ويكون فيها أيضاً الشعور ب - ( نحن ) بنفس السبب الذي كان موجوداً في الجماعة الكبرى السابقة . ويكون لها مؤيّدون ومعارضون أيضاً بنفس التبرير السابق .
وهكذا ترى الجماعة الواحدة ذات الهدف المشترك قد انقسمت إلى عدّة أقسام بعد أن وصلت إلى هدفها وحقّقت غايتها ؛ لأنَّ لكلّ ذهنٍ هدفاً خاصّاً ومجالًا شعوريّاً في تصوّر هذا الهدف وفي تجسيمه . وحبّ الكمال غير واقفٍ عند حدّ ، فإن صار هدفه فعليّاً فهو يطمع في أكثر من ذلك ، ويحدّد لنفسه هدفاً جديداً يسعى إليه . ولعلّ قائل هذا المثل على بعض الحقّ : ( إنَّ السعادة كالكرة كلّما اقتربت منّا ضربناها برجلنا بعيداً لكي نركض وراءها
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 63
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٦٣