حبّ الذّات والطبائع البشرية
وما دامت الحريّة المطلقة غير المقيّدة بأيّ نظامٍ ولا قانونٍ هي المقتضي الأوّلي الرئيسيّ المحبوب بحبّ الذّات ، كانت هذه الحريّة هي أولى الأُمور بالمحبّة وبالإخلاص ، إلَّا أنَّ الإنسان لمّا رأى أنَّ هذه الحريّة لا تستطيع لنفسه الكمال الذي يريده بعد تعقّد المدنيّة ، وبعد تكثّر البشر وصدور القوانين والتشريعات والنظم والأخلاق ، فلماذا تنازل المرء عن هذه الحريّة راضياً مختاراً ، وتقيّد بكثير من النظم والأديان والقوانين والأخلاق ، آملًا أن تسير به هذه النظم والقوانين ، بشكلٍ أحسن ممّا تسير به تلك الحريّة إلى الكمال .
ومن هنا اختلفت التشخيصات لدى كلّ فردٍ من الأفراد ، لحدود التقييدات التي يضعها كلّ فردٍ على نفسه ، على تلك الحريّة السائبة .
فنجد شخصاً يرى كثرة التقييد لنفسه وكثرة الاضطلاع بالقيام بالواجبات والخروج عن الحقوق ، واجباً مقدّساً ينبغي أن يقوم به ؛ لأنَّه يرى بذلك الوصول إلى الكمال ، وإلى الهدف الأعلى الذي يستهدفه لنفسه .
ومن هنا كان قائماً بسائر ما يجب عليه بحسب التقاليد والقوانين وبحسب الدين الذي يعتنقه . ومن هنا يطغى على سلوك هذا الفرد التديّن والأخلاق وزيادة التزمّت والتحنيث .
ونرى شخصاً آخر ، يرى أنَّ إشباع رغباته وشهواته ، والبقاء جزئيّاً على تلك الحريّة السائبة - وتحميلها أقلّ قدر يمكن من القيود - أمرٌ جوهريّ لحبّ ذاته ، وينبغي أن لا يقيّده المجتمع تقييداً ثقيلًا مطلقاً ، فهو لا