ومن هنا كان الأمل الأوّلي الرئيس في الإنسان أن يكون حرّاً وأن لا يكون مقيّداً بشيءٍ من القيود ، ولعلّ هذا هو مدلول الحديث الوارد عن أمير المؤمنين عليه السلام :
« كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أُمّهاتهم أحراراً » « 1 » .
ومعنى كون الحريّة أصلًا هو أنَّ القيود والقوانين والأنظمة ، لم تؤخذ إلَّا متأخّرة رتبةً عن وجود الذّات وخلقتها ، فلذا ترى أنَّ هذا الحديث يعبّر عن طروّ التغيّرات على الإنسان ، أنَّه يكون بعد ميلاده ، في حين إنَّ الحريّة توجد معه ، وتخلق بخلقه ، فإنَّه يولد مزوّداً بذاتٍ موجودة وبحبٍّ لها ، وبملكات عديدة كالعقل والإدراك والشعور والإحساس ، ولا يولد معه شيءٌ آخر ، غير السماح المطلق بالتصرّف بها كيفما يشاء ، إلَّا أنَّ القيود بعد ذلك تضع عليه ما تشاء من التقييدات الثقيلة والإلزامات المختلفة .
نظرية العقد الاجتماعي
ولعلّ هذا الأصل هو الذي أغرى جماعة من المفكّرين الأوروبيّين إلى الذهاب إلى أنَّ هناك حالة طبيعيّة كان يعيشها الإنسان قبل تكوّن المجتمعات والدول ، وقبل سنّ القوانين والأنظمة وقبل وجود التقاليد . وهي حالة كان يتّصف [ فيها ] كلّ فردٍ من أفراد المجتمع بالحريّة التامّة
هامش
( 1 ) لم نعثر على ذلك في ما بين أيدينا مصادرنا الخاصّة . نعم ، ورد قريب منه في كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، قال : « ولَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وقَدْ جَعَلَكَ اللَّه حُرّاً » . أُنظر : نهج البلاغة : كتاب 31 ، من وصيّة له عليه السلام لولده الحسن عليه السلام كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفّين .