الحرية وحبّ الذات
لعلّ من أقرب الأشياء إلى النفس وأوضحها لديها ، وأحبّها في نظرها وأحسنها عندها ، هو الحريّة ، فإنَّ هناك في أعماق الذّات ميلًا غريزيّاً فطريّاً أوّليّاً إلى حبّ التحرّر والانعتاق . وذلك : أنَّ النفس حين كانت - بطبع حبّها لذاتها - توّاقة إلى الكمال ، محبّة للرقيّ من حسن إلى أحسن ، فهي تحبّ في عين الوقت كلّ سبيل يوصل إلى ذلك ، وكلّ وسيلةٍ تحقّق هذا الهدف الكبير .
ولعلّ الذّات تعتقد أنَّ الحريّة من أهمّ تلك الوسائل ومن أعظمها وأقدسها ، فإنَّ العقل عندما يخطّط ويضع المناهج - أو يُؤمن ببعض المناهج الموضوعة - لأجل سيره نحو الكمال ، [ و ] لأجل الوصول إلى غايته المُثلى ، فإنَّه يودّ في عين الوقت أن تثنى له الوسادة ويسمح له سماحاً تامّاً بتطبيق هذه المناهج والخطط .
فإنَّ كلّ عقلٍ حينما يواجه حبّ ذاته وحبّ توقانه إلى الكمال ، يفكّر في وسائل ذلك ويفكّر في نتائجه وغاياته ، ويتوصّل بعد كلّ هذا التفكير إلى شيء [ و ] إلى منهجٍ معيّن ، وعندئذٍ يودّ تطبيقه بحريّة .
ومن هذا المنطلق بالذّات يبدأ تقديس الحريّة ؛ لأنَّها عبارة عن السماح للإنسان بأن يتّخذ المنهج والطريق الذي يفضّله في سعيه نحو الكمال .