وهو صفوة الحرارة الغريزية التي فاضت من الكواكب ، وهي من جنس الأجرام العلوية كما هو مذهب أرسطو ومن تابعه « 1 » . وإنّما عبّر عن هذه الإفاضة التي تكون بعد مُضيّ أربعة أشهر من مسقط النطفة بالولادة لأنّها مبدأ ولادة الحيوان ، ولا تستعمل الولادة في غير الحيوان .
قوله في النفس الناطقة : « بدء إيجادها عند الولادة الدنيوية » أراد بها نزول المولود من الرحم عند المخاض ، وقد عرفت أنّ هناك ابتداء ظهور العقل الهيولاني .
قوله : « ومقرّها العلوم الحقيقية » معناه من المُعضلات عند العُقلاء ؛ إذ الظاهر الثابت عند الجمهور عكس ذلك ؛ لأنّ النفس محلّ للصور العقلية عندهم « 2 » .
أقول : وإنّما يتيسّر فهم ذلك بعد رفض ما في أيدي الظاهريين من الحكماء بأصلين شريفين برهانيين عند بعض عباد اللَّه المساكين :
أحدهما : أنّ التعقّل ليس كما زعمه أتباع المشّائين ولا ما تراه أشياع الإشراقيين من القول بالحصول أو الحضور أو غيرهما من مذاهب أرباب الفضول « 3 » .
بل التعقّل إنّما هو برجوع النفس إلى ذاتها العقلية التي هي من تلك الجهة - على ما حقّقنا في بعض رسائلنا « 4 » - كلّ الأشياء ، وبعبارة : بوقوعها على بواطن الأشياء المُندمجة « 5 » في ذاتها ، كما أنَّ إدراكها للمحسوسات إنّما هو بطلوعها
هامش
( 1 ) - الشفاء ، الطبيعيات 3 : 403 .
( 2 ) - الشفاء ، الطبيعيات ، الفنّ السادس 2 : 217 ؛ الحكمة المتعالية 8 : 290 ، و 7 : 275 .
( 3 ) - راجع الحكمة المتعالية 3 : 284 .
( 4 ) - شرح الأربعين ، القاضي سعيد القمّي : 117 .
( 5 ) - في نسخة « ر » و « ل » : المندرجة بدل : المندمجة .