لا يتأتّى منها أصلًا ، والصورة إنّما وجودها بالمادّة ، فكيف تكون فاعلة لها ؟ ! والجسم مُتأخّر عن المادّة والصورة ، فلا يكون شيء منها بأوّل صادر عن المبدأ الأوّل ، فبقي أن يكون العقل هو الصادر الأوّل ، فلو لم يكن العقل كلّ الأشياء يلزم من صدوره عنه تعالى أن يكون له سبحانه جهة خصوصية بالنسبة إليه دون ما سواه ، وقد استحال ذلك كما قلنا فوجب من ذلك بالضرورة أن يكون هو كلّ الأشياء .
وهذا برهان شريف على وحدة العقل مع تكثّره بوجهٍ ما ، وقد تفرّدت بفهمه عن اللَّه تعالى ، إلّاأنّي بعد ذلك وجدت في كلام المُعلّم الأوّل ما يمكن أن يرجع إلى هذا ، وهو قوله في « أثولوجيا » بعد سؤال وكلام : « فلمّا كان - أيالمبدأ الأوّل - واحداً محضاً [ 19 ] انبجست منه الأشياء » « 1 » انتهى .
وبالجملة : ليست الكثرة التي نقولها في العقل كالكثرة التي هناك ، حاشاه من ذلك ، بل هو في كمال البساطة وأجمع الجمعية وأشدّ الوحدانية ، وإنّما الكثرة ليست في ذات العقل ، بل كثرة بعد الذات ، [ 20 ] وأمّا البارئ القيّوم فلا كثرة عنده أصلًا لا في الذات ولا مع الذات ولا بعد الذات وذلك من علم الراسخين ، فتبصّر .
شرح
[ 19 ] - قوله : « انبجست منه الأشياء . . . » .
وقد عرفت « 2 » معنى كلامه في أوّل الرسالة عند قوله : انبجست منه الكثرات بجملتها لوحدته .
[ 20 ] - قوله : « وأمّا البارئ القيّوم فلا كثرة عنده أصلًا . . . » إلى آخره .
هامش
( 1 ) - أثولوجيا : 134 .
( 2 ) - تقدّم في الصفحة 6 .