ببناء صيغته للمجهول ، والتصريح بإسناد عديله « 1 » إليه - عزّ سلطانه - تشييد لمعالم العفو والرحمة ، وتأكيد لمعاهد الجود والكرم ؛ فكأنّ الغضب صادر عن غيره - عزّ وعلا - وإلّا فالظاهر « غير الذين غضبت عليهم » .
وعلى هذا النمط من التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد ، جرى قوله - تعالى شأنه - :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
« 2 » ؛ حيث لم يقل : « لأعذّبنّكم » .
وأغلب الآيات المتضمّنة لذكر العفو والعقاب مؤذنة بترجيح جانب العفو إيذانا ظاهرا ، كما في قوله تعالى :
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
« 3 » ؛ فإنّ ظاهر المقابلة يقتضي : « وكان الله غفورا معذّبا أو منتقما » ونحو ذلك ، فعدل - سبحانه - عنه إلى تكرير الرحمة ؛ ترجيحا لجانبها ، وكما في قوله - عزّ سلطانه - :
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ
« 4 » ؛ حيث وحّد - جلّ وعلا - صفة العقاب ، وجعلها مغمورة بالمتعدّد من صفات الرحمة ، إلى غير ذلك من الآيات البيّنات .
والضلال : العدول عن الطريق السويّ - عمدا أو خطأ - وله عرض عريض ، ويكفي في التنبيه على تشعّب طرقه ، وتكثّرها قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ستفرّق أمّتي ثلاثا وسبعين فرقة ، فرقة ناجية والباقون في النار » « 5 » .
وأيضا فالمستقيم من الواصلة بين النقطتين واحد ، وأمّا المعوجّات فلا حدّ لها .
هامش
( 1 ) . أي : الإنعام .
( 2 ) . إبراهيم ( 14 ) : 7 .
( 3 ) . الفتح ( 48 ) : 14 .
( 4 ) . غافر ( 40 ) : 3 .
( 5 ) . « الخصال » ج 2 ، ص 585 ، أبواب السبعين وما فوقه ، ح 11 ؛ « وسائل الشيعة » ج 27 ، ص 49 ، ح 33180 ، كتاب القضاء ، الباب 6 ، ح 30 . وفيه : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ستفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة ، فرقة منها ناجية ، والباقون هالكون . . . » . نقلا عن كفاية الأثر ، ص 155 .
وفي الخصال : « . . . وإنّ أمّتى ستفرق بعدي على ثلاث وسبعين فرقة ، فرقة منها ناجية ، واثنتان وسبعون في النار » .