وعن النبي عليه السّلام تحرّوا الصدق ولو رأيتم فيه الهلكة ، فان فيه النجاة ، وتجنبوا الكذب ولو رأيتم فيه النجاة ، فان فيه الهلكة .
ومنها : استيثار استعذاب كلامه ، وظرافته ، وهو لا يعرف صدقا ، فيستعمل الكذب ، وهذا النوع أسوء حالا من الأول ، لأنه يصدر عن مهانة النفس ، ودناءة الهمّة ، .
قال الجاحظ : ما كذب أحد قط الا صغّر قدر نفسه عنده .
ومنها : أن يضع به قدر عدوّه ، حيث لا يجد فيه منقصة تشنيه ، فيرى ارسال الكذب فيه سهما صائبا ، وهذا أسوء حالا من الأولين .
ومنها : أن يكون دواعي الكذب قد ترادفت عليه حتّى ألفها ، فصار الكذب له عادة ، وصارت نفسه اليه منقادة ، حتى لورام مجانبته عسر عليه ذلك لانّ العادة طبع ثان ، فانّ هذا أسوء حالا من الجميع ، لانّه جمع بين مهانة الدنيا وعذاب الآخرة .
وحيث قد قدّمنا أنّ دواعي الصّدق لازمة ، ودواعي الكذب عارضة ، فمن ثم جاز ان تستفيض الاخبار الصادقة ، حتى تصير متواترة ، فتفيد العلم ، ولم يجز ذلك في الاخبار الكاذبة ، لان اتفاق الناس انما هو لاتفاق الدواعي ودواعي الصدق يصحّ اتفاق الناس عليها ، للزومها ، ونفعها ، بخلاف الكذب .
لمعة :
ومن مضار الكذب ، فوق ما يترتب عليه من العذاب في الآخرة ، والذل والمهانة في الدنيا ، أنه ربّما ينسب اليه الخبر ، إذا ظهر كذبا وان لم يكن فاه به .
نور الحقيقة ونور الحديقة — صفحة 182
مساهمون: حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي (والد الشيخ البهائي)
ص١٨٢