فصل [ الخلق محتاجين عاجزين ]
من لطيف حكمة اللّه تعالى انه خلق الخلق محتاجين عاجزين ، ليكون جل وعز منفردا بالغنى ، مختصا بالقدرة . ثم جعل الانسان أكثر حاجة من جميع نوع الحيوان ، لان باقيه يستقل بنفسه ولا يحتاج إلى شيء مما يحتاج اليه الانسان الا نادرا ، وأما الانسان فهو مطبوع على الافتقار إلى جنسه وإلى غيره ، كما لا يخفى ، وانما خصّه اللّه تعالى بكثرة الحوائج لطفا به ، ليمنعه ذل الحاجة ومهابة العجز عن الطغيان بالغنى والقدرة ، لان الطغيان مركوز في طبعه إذا استغنى ، كما اخبر اللّه تعالى « 1 » والبغي مستول عليه إذا قدر .
قال أبو الطيب المتنبي :
والظلم من شيم النفوس فان تجد * ذاعفة فلعلة لا يظلم .
ولما خلقه اللّه تعالى ماس الحاجة ، ظاهر العجز ، جعل لنيل حاجاته أسبابا ولدفع عجزه أبوابا ، دله عليها بالعقل .
قال اللّه تعالى :
« وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى »
« 2 » .
فلزم أن يصرف الانسان إلى دنياه حظّا من عنايته ، لأنه لاغناء به عن التزود منها للآخرة .
هامش
( 1 ) حيث قال سبحانه« إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى »( سورة العلق : 96 / 7 ) .
( 2 ) ( سورة الاعلى : 87 / 3 ) .