ولا بد له من سد خلته ، كما قد بيّنّاه آنفا ، وليس هذا نقضا لما قلناه أولا من الحث على ترك فضولها وزجر النفس عن الرغبة فيها ، فان جميع ذلك فيما تجاوز قدر الحاجة والا فقد قال اللّه تعالى ، لنبيّه عليه السّلام :
« فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ »
« 1 » .
قال أهل التأويل : يعني إذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك .
وليس هذا القول منه ترغيبا لنبيّه - عليه السّلام - فيها ، ولكنّه ندبه إلى أخذ البلغة منها ، ولهذا قال رسول اللّه عليه السّلام : ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا ، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه « 2 » .
وحكى مقاتل : ان إبراهيم الخليل عليه السّلام قال : يا رب إلى متى أتردد في طلب الدنيا ؟
فقيل له : أمسك عن هذا ؟ ! فليس طلب المعاش من طلب الدنيا .
وقال سفيان الثوري : مكتوب في التوراة ، يا بن آدم : إذا كان في البيت برّ فتعبّد ، وان لم يكن فاطلب ، يا بن آدم : حرك يدك يسبب لك رزقك .
وقال بعض الحكماء : ليس الرغبة في الدنيا اكتساب ما يصون العرض فيها .
فوجب بما بينّاه النظر في أمور الدنيا ، وسبر أحوالها ، ليعلم أسباب صلاحها وفسادها ، فتقصد الأمور من أبوابها .
هامش
( 1 ) سورة الانشراح : 94 / 7 - 8 ) .
( 2 ) كذا والظاهر : لهذه .