منها : قصّة أُرينب بنت إسحاق
قال : وذكروا أنّ يزيد بن معاوية سهر ليلة من اللّيالي ، وعنده وصيف لمعاوية يقال له رفيق ، فقال يزيد : أستديم اللَّه بقاء أمير المؤمنين ، وعافيته إيّاه ، وأرغب إليه في تولية أمره وكفاية همّه ، فقد كنت أعرف من جميل رأي أمير المؤمنين فيّ ، وحسن نظره في جميع الأشياء ما يؤكّد الثّقة في ذلك والتّوكّل عليه . منعني من البوح بما جمجمت فيّ صدري له ، وتطلابه إليه ، فأضاع من أمري وترك من النّظر في شأني ، وقد كان في حلمه ، وعلمه ، ورضائه ، ومعرفته ، بما يحقّ لمثله النّظر فيه ، غير غافل عنه ، ولا تارك له ، مع ما يعلم من هيبتي له وخشيتي منه ، فاللَّه يجزيه عنِّي بإحسانه ، ويغفر له ما اجترح من عهده ونسيانه ، فقال الوصيف : وما ذلك جعلت فداك ؟ لا تلم على تضييعه إيّاك ، فإنّك تعرف تفضيله لك ، وحرصه عليك ، وما يخامره من حبّك ، وأن ليس شيء أحبّ إليه ، ولا آثر عنده منك لديه ، فاذكر بلاءه ، واشكر حباءه ، فإنّك لا تبلغ من شكره إلّابعون من اللَّه .
قال : فأطرق يزيد إطراقاً عرف الوصيف منه ندامته على ما بدا منه ، وباح به ، فلمّا آب من عنده توجّه نحو سدة معاوية ليلًا ، وكان غير محجوب عنه ، ولا محبوس دونه ، فعلم معاوية أنّه ما جاء به إلّاخبر أراد إعلامه به . فقال له معاوية : ما وراءك ؟ وما جاء بك ؟ فقال : أصلح اللَّه أمير المؤمنين ، كنت عند يزيد ابنك ، فقال فيما استجرّ من الكلام كذا وكذا ، فوثب معاوية وقال : ويحك ، ما أضعنا منه ؟ رحمة له ، وكراهية لما شجاه وخالف هواه ؟ وكان معاوية لا يعدل بما يرضيه شيئاً . فقال : عليَّ به ، وكان معاوية إذا أتت الأمور المشكلة المعضلة ، بعث إلى يزيد يستعين به على استيضاح شبهاتها واستسهال معضلاتها ، فلمّا جاءه الرّسول قال : أجب أمير المؤمنين ، فحسب يزيد إنّما دعاه إلى تلك الأمور الّتي يفزع إليه منها ، ويستعين برأيه عليها ، فأقبل حتّى دخل عليه ، فسلّم ، ثمّ جلس . فقال معاوية : يا يزيد ! ما الّذي أضعنا من أمرك ، وتركنا من الحيطة عليك ، وحسن النّظر لك ،