فقال ابنُ الزُّبير لمعاوية : قد عَرَفنا فضلَ الحسين وقرابته من رسول اللَّه ( ص ) ، لكن إن شِئْتَ أن اعْلِمك فضلَ الزُّبير على أبيك أبي سفيان ، فَعلتُ . فتكلّم ذكوانُ مولى الحسين ابن عليّ ، فقال : يا ابن الزّبير ! إنّ مولاي يمنعه من الكلام أن لا يكون طَلْق اللِّسان ، رابطَ الجَنان ، فإن نَطَقَ نَطَقَ بعِلْم ، وإن صَمَتَ صَمَتَ بحِلْم ، غيرَ أنّه كفَّ الكلام وسَبَقَ إلى السِّنان ، فأقرّت بفَضْلهِ الكِرام ، وأنا الّذي أقول :
فيمَ الكلامُ لسابقٍ في غايةٍ * والنّاسُ بينَ مُقَصِّرٍ ومُبَلِّدِ
إنّ الّذي يَجْري لِيُدْرك شَأْوَه * يُنْمَى بغيرِ مُسوَّدٍ ومُسدَّدِ
بل كيف يُدْرَكُ نُورُ بدرٍ ساطعٍ * خيرِ الأنام وفَرْع آل محمّدِ
فقال معاوية : صَدَقَ قولُك يا ذَكْوان ، أكْثر اللَّه في مَوالِي الكِرامِ مِثْلَك . فقال ابنُ الزُّبير : إنّ أبا عبداللَّه سَكَت ، وتكلّمَ مولاه ، ولو تكلّمَ لأجَبْناه ، أو لَكَفَفْنا عن جوابه إجلالًا له ، ولا جوابَ لهذا العبد . قال ذَكْوان : هذا العبدُ خيرٌ منك ، قال رسول اللَّه ( ص ) :
« مولَى القَوْم منهم » . فأنا مولَى رسول اللَّه ( ص ) ، وأنتَ ابنُ [ الزّبير بن ] العوّام بن خُويلد ، فنحنُ أكرمُ ولاءً وأحسن فِعْلًا .
ابن عبد ربّه ، العقد الفريد ، 4 / 86 - 87
وفد الحسن بن عليّ على معاوية ، فقال عمرو لمعاوية : يا أمير المؤمنين ، إنّ الحسن لفَهٌّ ، فلو حملته على المنبر فتكلّم وسمع النّاس كلامه عابوه وسقط من عيونهم . ففعل ، فصعد المنبر وتكلّم وأحسن ؛ ثمّ قال : أيّها النّاس ، لو طلبتم ابناً لنبيِّكم ما بين لابتَيها لم تجدوه غيري وغير أخي . وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين . فساء ذلك عمراً وأراد أن يقطع كلامه ، فقال له : أبا محمّد ، أتصف الرُّطب ؟ فقال : أجل ، تلقحه الشّمال وتخرّجه الجنوب ، وتُنضجه الشّمس ، ويصبغه القمر . قال : أبا محمّد ، هل تنعت الخراءة ؟
قال : نعم ، تُبعد المشي في الأرض الصّحصح حتّى تتوارى من القوم ، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ، ولا تستنج بالقُمّة والرّمّة - يريد الرّوث والعظم - ولا تبُل في الماء الرّاكد .
ابن عبد ربّه ، العقد الفريد ، 4 / 90