الكاملة على عقل الإنسان واختياره ، وبإمكان الإنسان معرفة حقيقة المسألة بقليل من التفكر والتأمل ، فلو تأمل الإنسان قليلًا في مجريات الأمور لأدرك أنّ الفساد والفحشاء وأشكال الانحراف الأخرى لا تخضع لمقولة الحرية ، ولو تفكر قليلًا لفهم حقيقة التمدن المزعوم الذي يختزن في واقعه التوحش والانحطاط الخلقي ، فالإنسان بإمكانه أن يكشف الملابسات في حركة الحياة من خلال التفكر والتأمل ولا يتحرك على مستوى هدم الجسور خلفه .
كان الحسن البصري عالماً يسير في خط الانحراف ، ومن العجيب أنّه أستاذ ابن أبي العوجاء الزنديق المعروف والمنكر للَّهتعالى ، وكان يعيش في عصر الإمام الصادق عليه السلام ، وعندما قيل له : أنت تلميذ للحسن البصري فكيف سلكت في خط الكفر والإلحاد ؟ فأجابهم قائلًا : إنّ أستاذي لم يكن يملك عقيدة صحيحة أيضاً وكانت معالم الانحراف بادية من آرائه وسلوكياته ، والحسن البصري التقى بالإمام علي عليه السلام بعد معركة الجمل فسأله الإمام ، لماذا لم تشترك في الحرب ولم تمد يد المعونة لي في هذه الحرب ؟ فقال : عندما أردت التوجه إلى ميدان القتال سمعت هاتفاً من الغيب يقول :
« القاتل والمقتول في النار » .
فقال له الإمام علي عليه السلام : صدق القائل ، وذلك أنّ القائل هو الشيطان الذي زيّن لك أعمالك « 1 » .
مثل هذا الإنسان الذي هدم جميع الجسور خلفه ، لم يتمكن من تشخيص تزيينات الشيطان والتمييز بين هاتف الخير وهاتف الشر .
وأمّا الأشخاص الذين يعيشون الفطرة السليمة والقلب النقي ، فحتى لو تلوثوا بالذنوب ، فإنّهم يستطيعون التمييز بين الوساوس الشيطانية والإلهامات الرحمانية ، فالحر بن يزيد الرياحي عندما خرج من بيته متوجهاً إلى كربلاء سمع منادياً ينادي :
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 32 ، ص 226 .