تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقسام القرآنية — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
والكثير من الواجبات ندركها بحكم العقل أيضاً ، فالعقل يأمرنا باجتناب مصاديق الظلم وفروعه ، ويأمرنا بإتيان مصاديق الإحسان وإسداء يد المعونة للآخرين وأننا مسؤولون في مقابلهم ، وربّما يؤاخذنا اللَّه تعالى إذا لم نمتثل أوامر العقل ، ولكنّ المستفاد من الآيات القرآنية أنّ اللَّه تعالى ما لم يبعث نبياً إلى قوم أو مجتمع فإنّه لا يعاقبهم ، حتى في صورة مخالفتهم للمستقلات العقلية أيضاً وهذا هو منتهى اللطف الإلهي ، أي أنّ حكم العقل لوحده لا يكفي للعقوبة ، بل يجب إتمام الحجّة بواسطة حكم الشرع ، وحينئذٍ فمن يخالف هذا الحكم يستحق العقوبة . وقد أشار القرآن الكريم في أكثر من آية إلى هذا المعنى ، وقلّما بحث هذا الموضوع علماء الكلام ، ومن جملة الآيات ما ورد في الآيتين الشريفتين 15 و 16 من سورة الإسراء : « وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا * وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً » . وطبقاً لهاتين الآيتين ، فما لم يبعث اللَّه نبيّاً لقوم من الأقوام وما لم يتمّ ذلك النبي الحجّة عليهم فإنّ اللَّه تعالى لا يعذبهم حتى إذا حكمت عقولهم بحسن أمر معين أو قبحه ، وإذا أراد اللَّه تعالى إنزال العقوبة بقوم أو جماعة من الناس فلا يحتاج لحشد قوى السماء والأرض ، بل يكفي أن يرسل صاعقة عليهم ، وعلى حدّ تعبير القرآن « صيحة سماوية » وبلحظة يتبدل كل شيء إلى رماد ، أو يرسل عليهم اعصاراً مدمراً مدّة سبعة أيّام ليدمر كل شيء ، أو يأمر الأرض ، التي تعتبر بمثابة المهد للإنسان ، أن تتحرك حركة خفيفة « زلزلة » فينهدم في تلك المدينة كل شيء وينقلب رأساً على عقب ، وهذا نوع من إظهار القدرة من قِبل اللَّه تعالى في مقابل البشر الضعيف المغرور . النتيجة ، أنّ اللَّه تعالى بعث لكل إنسان رسولًا من داخله يسمّى ( العقل ) ورسولًا من خارجه يسمّى ( النبي ) ، وما لم يتمّ النبي الظاهر الحجّة على هذا الإنسان فإنّ اللَّه لا يعاقبه ولا يستجعل في إنزال العقاب على الناس .