والنهار ؟ وبعبارة أخرى : ما هو المقسم له ، ومن أجل أي شيء أقسم اللَّه تعالى بهاتين النعمتين ؟
الجواب : إنّ المقسم له يتبيّن في الآية الشريفة « مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى » فالقسمان المذكوران لتقرير وتوكيد هذه الحقيقة الواردة في هذه الآية الشريفة ، وتوضيح ذلك : إنّ « الضحى » بمنزلة « الوحي الإلهي » و « الليل » بمنزلة « القطع المؤقت للوحي ، لأنّ الليل يقطع النهار بصورة مؤقتة حتى يطلع النهار بعده مرّة ثانية ، وكما أنّ الليل والنهار أو بعبارة أخرى : الضحى وانقطاعه بصورة مؤقتة يعتبران من النعم الإلهيّة ، فإنّ الوحي الإلهي والقطع المؤقت له أيضاً من النعم الإلهيّة الكبيرة .
وبذلك يكون معنى الآية ، قسماً بالنهار عندما ترتفع الشمس ويسود ضوؤه جميع أرجاء المعمورة ، وقسماً بالليل عندما يسود ظلامه جميع الأماكن ، أننا وخلافاً لما يقوله المشركون والأعداء ، لم نتركك ولم نغضب عليك ، بل إنّ قطع الوحي الإلهي في مدّة قصيرة من أجل مصلحة وحكمة ، وهذا الأمر فيه نفع لك وللمسلمين .
« وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى » .
وقد ذكر المفسّرون معنيين لهذه الآية الشريفة :
أ ) إنّ اللَّه تعالى قد أنعم على نبيّه الكريم صلى الله عليه وآله بنعم كثيرة ، فقد كان يتيماً فآواه ، وضالًا فهداه ، وفقيراً فأغناه ( وسيأتي شرح هذه النعم في البحوث اللاحقة ) ، ولكنّ النعم الأخروية المعدّة للنبي أعظم وأعلى من ذلك بكثير .
ب ) « الآخرة » في هذه الآية ليست بمعنى اليوم الآخر ، بل يقصد بها المقطع الأخير من عمر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، كما أنّ كلمة « الأولى » لا تعني الحياة في الدنيا ، بل بمعنى المقطع الأوّل من عمر النبي صلى الله عليه وآله ، وطبقاً لهذا الاحتمال فإنّ النصف الثاني من عمر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ( عندما جاء إلى المدينة وأقام الحكومة الإسلامية وثبّت أركان الإسلام وانتصر على أعدائه المشركين ودخل الناس أفواجاً إلى الإسلام ) . كان
الأقسام القرآنية — صفحة 422
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٢٢