وهم يقصدون غزو المدينة المنورة ، أمّا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقد كان يتجنب الحرب وسفك الدماء مهما أمكنه ذلك ، ويسعى بمقتضى تعاليم الإسلام السامية أن يحل المسائل بطرق سلمية والتصالح والتفاهم ، وإذا لزم الأمر فإنّه يتحرك من موقع الدفاع بشجاعة فائقة ، ولهذا أرسل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله هيئة من كبار المسلمين إلى هؤلاء المشركين ، وبعد أن تحدّث رسل النبي إلى قادة المشركين ، لم يصلوا إلى نتيجة ، وكان المشركون يصرون على الحرب والقتال ، فعاد أفراد الوفد إلى المدينة المنورة ، وأخبروا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بما حصل ، فبعد أن يأس رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من التفاهم مع هؤلاء المشركين طلب عليّاً عليه السلام ليحل هذه المشكلة « 1 » .
فجمع الإمام علي عليه السلام جيشاً من المسلمين وتوجه إلى هؤلاء الأعداء ، وبما أنّ جيش الإسلام كان قد تحرك من المدينة في ليلة مظلمة وبشكل سري ، فإنّ العدو لم يلتفت إلى ذلك ، فكان أن أطبق عليهم الجيش الإسلامي وحاصرهم ، إلّاأنّ المسلمين لم يهاجموا العدو في الليل بل صبروا حتى طلع الفجر وبدأوا هجومهم الصاعق على المشركين ، ولما كان العدو غافلًا عن هذه الخطة والحملة السريعة فقد سقط الكثير من أفراده قتلى ، وأسر المسلمون الباقي وانتصر الجيش الإسلامي في هذه الواقعة ، وقيّدوا الأسرى بالسلاسل لمنعهم من الفرار « ولذلك سمّيت هذه الغزوة بذات السلاسل » وعادوا إلى المدينة منتصرين ومرفوعي الرأس .
والملفت أنّ الجيش الإسلامي في صباح ذلك اليوم وبينما كان يبعد عن المدينة المنورة مسافة يومين أو ثلاثة أيّام ، قرأ النبي الأكرم عليه السلام في صلاة الصبح بعد سورة الحمد سورة العاديات وتعجب المسلمون من ذلك ، وسألوا النبي بعد الانتهاء من
هامش
( 1 ) . بما أنّ كل مشكلة كانت تقع في عصر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، كان الإمام علي عليه السلام يحلّها ، فمن هنا اطلق عليه لقب « حلال المشاكل » ، ولم يقتصر الأمر على زمان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، بل استمر هذا الحال حتى في زمن الخلفاء أيضاً ، وليس هذا ادّعاء ، بل إنّ الخليفة الثاني اعترف مرات عديدة بهذه الحقيقة ، وقال : « اللَّهُمَّ لاتَبْقِني لِمُعْضَلَةٍ لَيْسَ لَها أَبُوالْحَسَن » .