تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقسام القرآنية — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
السعي والعمل والنشاط ، وهذا الأمر مهم إلى درجة أنّ اللَّه تعالى أقسم به . الملفت للنظر أنّ هذا الاعلان عن حدوث هذا التحوّل لا يختص بالإنسان بل يستوعب جميع الكائنات الحيّة في العالم ، فجميع الكائنات الحيّة تبدأ بنشاطها وتنطلق في فعاليتها منذ طلوع الفجر ، ومن هنا فالأشخاص الذين يسهرون ويبقون مستيقظين إلى ساعات متأخرة من الليل ، ومن جهة أخرى ينامون إلى منتصف النهار ، فإنّهم يسلكون في حياتهم عكس مقتضيات الطبيعة ، والتجربة أثبتت أنّ الأشخاص الذين يستيقظون من النوم في ساعات الصباح الباكر ويشرعون بنشاطهم وعملهم اليومي ، أكثر توفيقاً من الآخرين ، والأشخاص الذين يمكثون في فراش النوم إلى مقربة من الظهر ليس لهم حظ من الموفقية في التفاعل الاجتماعي والنجاح في واقع الحياة ، بل إنّهم من الناحية الروحية يتميزون بقلّة النشاط والفاعلية ويعيشون حالة الكسل والخمود . أجل ، فإنّ القسم بطلوع الفجر هو إعلان عن هذه الحقيقة ودعوة للانسجام مع مقتضيات الطبيعة فيما تفرضه من نشاط وفعالية في مغادرة أجواء الكسل والنوم في اللحظات الأُولى من طلوع الفجر . والجدير بالذكر أنّ بعض المفسّرين ذكروا تفسيراً أشمل لهذه الآية الشريفة ، وذلك أنّ المراد بالفجر هنا ، ما يستوعب جميع أشكال لمعان الضياء والنور في حياة الإنسان المادية والمعنوية وما يفضي إلى إضاءة آفاق الحياة للإنسان ، ولا يختص بلمعان ضوء الفجر عند الصباح ، وعلى هذا الأساس فإنّ الشاب المذنب الذي يقضي ليالي القدر في شهر رمضان المبارك بالدعاء والمناجاة وتلاوة القرآن ويحيى هذه الليلة بالتضرع والابتهال إلى اللَّه ، وتشرق أنوار التوبة في ظلمات قلبه ، ويتحرك في ضوء هذه الاشراقات المعنوية لجبران ما فاته من الخيرات وإصلاح الخلل والتحرك في خط الرسالة والإيمان والانفتاح على اللَّه ، فمثل هذا الشاب أيضاً يقع مشمولًا
الأقسام القرآنية — صفحة 159 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي