الحقيقة أنّ آثار ومعطيات الحج عظيمة وعجيبة ، ولكن للأسف هناك ما يشغل الإنسان الحاج في غير هذا الشأن ويشكل له كابوساً ثقيلًا ، وهو ما يسمى ب « الهدايا » التي يشتريها الحاج إلى أهله وأرحامه في وطنه ، أو ينشغل بشراء البضائع التي يبيعها بسعرٍ أعلى في وطنه فمثل هذا الكابوس لا يكاد يفارق أذهان بعض الحجاج ويستولي على تفكيرهم ، ولذلك يهتمون بالتوجه إلى المحلات التجارية والأسواق المتنوعة لشراء ما لا يجدونه في وطنهم وبلادهم ، فيجب إصلاح هذا الخلل حتى لا يقضي هذا المرض المهلك على المكتسبات المعنوية والمعطيات الأخلاقية للحج .
ويصف الإمام علي عليه السلام في الخطبة القاصعة ، الفلسفة الأخلاقية للحج توصيفاً رائعاً ويبيّن عمق هذا البعد الأخلاقي في هذه المناسك الإلهيّة بوصفها دواء لعلاج مرض الكبر والغرور في نفس الإنسان ، ويقول :
« ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ ، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ . تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ وَمَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ ، وَجَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ ، حتّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلًا يُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ . وَيَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ . قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمْ ، ابْتِلَاءً عَظِيماً وَامْتِحَاناً شَدِيداً وَاخْتِبَاراً مُبِيناً . وَتَمْحِيصاً بَلِيغاً جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ ، وَوُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ » « 1 » .
2 . الغاية السياسية
فلو أنّ المسلمين يتحدون في مواقعهم واطروحاتهم وأهدافهم ويضعون أيديهم بأيدي إخوانهم ، ويتخذون قرارات مشتركة ويوحدون مسيرتهم في حركة الحياة
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 192 .