شرح
قلت : وجه التخصيص أحد أمرين : إمّا وقوع السؤال عن خصوصهم ، كما في قوله - تعالى - : « يَسَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ » « 1 » ، وإمّا كونهم محلّ الابتلاء للمسلمين ؛ فإنّ الآية قد نزلت في أواخر عمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بالمدينة ، وقد كان المسلمون في ذلك العصر معاشرين لأهل الكتاب ، ولم يكن للمشركين عدّة وعدّة أصلًا .
وبالجملة : قوله - تعالى - : « الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيّبتُ » مسوق لبيان حلّية الطيّبات بما هي طيّبات ، وقوله - تعالى - : « وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتبَ حِلٌّ لَّكُمْ » مسوق لبيان حلّية طعامهم بما هو طعامهم ، وأنّ مالكه أهل الكتاب ، كما أنّ قوله - تعالى - : « وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ » مفاده حلّية طعام المسلمين لهم بالنقل إليهم .
وبهذا يظهر الخلل فيما أفاده الفاضل المقداد صاحب كنز العرفان ؛ وهو أوّل كتاب قد الِّف في آيات الأحكام ؛ من أنّ قوله - تعالى - : « وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتبَ حِلٌّ لَّكُمْ » ذكر الخاصّ بعد العامّ ، ولابدّ له من نكتة لا نفهمها « 2 » ؛ فإنّك عرفت عدم كونه من هذا الباب ، وثبوت المغايرة بين الأمرين .
وقد ذهب العامّة إلى أنّ « الطعام » في الآية بمعنى الذبيحة « 3 » ، وتبعهم في ذلك بعض أصحابنا الإماميّة « 4 » . وعليه : فيمكن الاستدلال بها على حلّية ذبيحة
هامش
( 1 ) سورة المائدة 5 : 4 .
( 2 ) كنز العرفان في فقه القرآن 2 : 410 - 411 .
( 3 ) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تفسير الطبري ) 6 : 130 ، تفسير البغوي 2 : 18 ، الكشّاف 1 : 607 ، التفسير الكبير للفخر الرازي 11 : 293 - 294 .
( 4 ) حكاه عن بعض أصحابنا في مجمع البيان 3 : 269 ، وعن قليل منهم في زبدة التفاسير 2 : 221 ، وراجع تفسير الكاشف 3 : 18 - 19 .