شرح
ما يكون مطبوخاً ، وحلّية ما يكون مطبوخاً بيد الكتابي تستلزم طهارته ؛ لأنّه لو كان نجساً يصير الطعام متنجّساً أيضاً ، فلا يمكن أن يكون حلالًا .
وفيه أوّلًا : أنّ الطعام ليس بمعنى المطبوخ لا لغةً ولا اصطلاحاً في الحجاز ، بل يكون بمعنى خصوص الحنطة على قول اللغويّين ، وقد يطلق على الأعمّ منها ومن الشعير ، وقد يطلق على مطلق الحبوبات « 1 » ، وعلى ذلك فلا تستلزم طهارة الطعام طهارة صاحبه ؛ لكونه جافّاً لا ينجس بمجرّد لملاقاة ، فيصير المعنى :
أنّ اشتراء الطعام والتصرّف فيه من الذين أوتوا الكتاب حلال للمسلمين .
ويؤيّده قوله - تعالى - : « وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ » ؛ إذ لو كان المراد بيان الحلّية من جهة عدم النجاسة يشكل الأمر في هذا القول ؛ لعدم اعتقاد أحد من أهل الكتاب نجاسة المسلم ، وعدم ترتّب أثر عليه مع فرض اعتقادهم ذلك ، بخلاف ما لو كان المراد ما ذكرنا ؛ فإنّ معنى هذا القول حينئذٍ أنّ بيع الطعام من الذين أوتوا الكتاب حلال ، فتدبّر .
وثانياً : لو كان المراد من الطعام ما يكون مطبوخاً ، وكانت الآية مسوقة لبيان حلّيته مطلقاً ، فلابدّ من الالتزام بدلالة الآية على حلّية طعامهم حتّى فيما إذا كان بعض موادّه حراماً ، كالميتة ولحم الخنزير ؛ إذ ليست الحلّية من جهة الطبّاخ أولى منها من جهة المادّة بالنظر إلى الآية الكريمة على هذا التقدير ، مع أنّه ممّا لا يمكن أن يتفّوه به ، فلا محيص عن حمل الآية على ما ذكرنا بعد كونه موافقاً لمعنى الطعام على ما عرفت .
إن قلت : لو كان كذلك فما وجه تخصيص أهل الكتاب بذلك ؛ فإنّ طعام المشركين والحنطة المرتبطة بهم أيضاً حلال .
هامش
( 1 ) مجمع البحرين 2 : 1102 ، العين 2 : 1082 .