شرح
مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُواْ » الآية ، والمراد من اتّخاذهم أرباباً ليس ما هو ظاهره ؛ لعدم قولهم بالوهيّتهم ؛ لما روي عن الثعلبي ، عن عدي بن حاتم - فيحديث - قال :
انتهيت إليه - يعني إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله - وهو يقرأ سورة البراءة ، فقرأ هذه الآية : « اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبنَهُمْ أَرْبَابًا مّن دُونِ اللَّهِ » حتّى فرغ منها ، فقلت له : إنّا لسنا نعبدهم ، فقال : أليس يحرِّمون ما أحلّ اللَّه فتحرّمونه ، ويحلّون ما حرّم اللَّه فتستحلّونه ؟ قال : قلت : بلى ، قال : فتلك عبادتهم « 1 » .
فإنّ المستفاد من الرواية أنّ إطلاق المشرك على النصارى إنّما كان بنحو من العناية والتسامح ، لا بنحو الحقيقة ؛ فإنّ تبعيّتهم فيالتحليل والتحريم لا تكون عبادتهم حقيقة ، فلا يتحقّق الشرك فيالعبادة كذلك . ومن المعلوم أنّ المراد من المشركين فيالآية الكريمة ، التي هي محلّ البحث ، هو المشركون بالمعنى الحقيقي ، فلا تشمل الآية من يطلق عليه المشرك مجازاً ومسامحة .
مع أنّ النصارى - على ما يستفاد من الآيات الواردة فيهم - طوائف مختلفة ، قال اللَّه - تعالى مخاطباً لعيسى - : « ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ » « 2 » . وقال - تعالى - : « لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلثَةٍ » « 3 » .
وقال : « لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ » « 4 » ، وغير ذلك من الآيات الواردة فيهم ، ولا يمكن لنا إثبات الشرك لجميع طوائفهم ، ولا إثباته
هامش
( 1 ) المعجم الكبير للطبراني 17 : 92 ح 218 ، الكشف والبيان ، المعروف تفسير الثعلبي 5 : 34 ، مجمع البيان 5 : 41 ، وعنه بحار الأنوار 9 : 98 .
( 2 ) سورة المائدة 5 : 116 .
( 3 ) سورة المائدة 5 : 73 .
( 4 ) سورة المائدة 5 : 72 .