شرح
في غير القاذورات العرفيّة ، كالحجر ، والمدر ، فلا تكون أمراً وجوديّاً مضادّاً للنجاسة والقذارة ، بل مرجعها إلى خلوّ الشيء عن تلك الخصوصيّة ، ونقاوته عن تلك الجهة الموجبة للاستكراه ، فليست الطهارة أمراً وجوديّاً قائماً بذات الأشياء الطاهرة وراء أوصافها وأعراضها الذاتيّة ، بحيث لو صار شيء بسبب الملاقاة مع القذر قذراً ، ثمّ زالت القذارة بمثل الغسل لحدث فيه أمر وجوديّ مسمّى بالطهارة .
ويؤيّد ما ذكرنا تفسير النظافة بالنقاوة في أكثر الكتب اللغويّة « 1 » ، ومن الواضح : أنّ معنى النقاوة هو انتفاء تلك الخصوصيّة المذكورة .
كما أنّ الظاهر - على ما حقّقه سيّدنا العلّامة الأستاذ الماتن دام ظلّه في رسالة النجاسات - عدم كون النجاسة من الأحكام الوضعيّة الشرعيّة للأعيان النجسة ، حتّى فيما هو قذر عند العرف كالبول والغائط ، وعدم كونه أمراً انتزاعيّاً من الأحكام الشرعيّة المترتّبة عليها ، كوجوب الغسل والاجتناب عنها في الصلاة ، وعدم كونه أمراً واقعيّاً غير ما يعرفه الناس .
غاية الأمر أنّه كشف الشارع عنها ، ورتّب عليها أحكاماً ، بل لها مصداقان :
أحدهما : حقيقيّ ؛ وهو الذي يستقذره العرف ؛ فإنّه لم يجعل الشارع له القذارة ، ولا يكون له اصطلاح خاصّ في القذر والنجس ، بل رتّب عليها أحكاماً .
وثانيهما : اعتباريّ جعليّ ، كالنجاسات الشرعيّة التي لا يستقذرها العرف ؛ فإنّه قد جعل الشارع لها النجاسة واعتبرها لها ، ورتّب عليها أحكاماً بعد جعل النجاسة والإلحاق الموضوعيّ . غاية الأمر أنّ الملاك في جعل القذارة
هامش
( 1 ) لسان العرب 6 : 212 ، القاموس المحيط 3 : 270 ، المصباح المنير : 612 ، تاج العروس 12 : 507 .