من راقعها ، وقال لي : اقذف بها قذف الأتن ( 1 ) ، لا يرتضيها ليرقعها . فقلت له : اغرب
عني ، فعند الصباح يحمد القوم السرى ، وتنجلي عنا علالات الكرى ( 2 ) .
ولو شئت لتسربلت بالعبقري المنقوش من ديباجكم ، ولأكلت لباب هذا البر
بصدور دجاجكم ، ولشربت الماء الزلال برقيق زجاجكم ، ولكني أصدق الله جلت
عظمته حيث يقول : ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها
وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ) ( 3 ) ، فكيف
أستطيع الصبر على نار لو قذفت بشرارة إلى الأرض لأحرقت نبتها ، ولو اعتصمت
نفس بقلة لأنضجها وهج النار في قلتها ؟ وأيما ( 4 ) خير لعلي أن يكون عند ذي العرش
مقربا ، أو يكون في لظى خسيئا مبعدا ، مسخوطا عليه بجرمه مكذبا .
والله لان أبيت على حسك السعدان ( 5 ) مرقدا ، وتحتي أطمار على سفاها ( 6 )
ممددا ، أو أجر في أغلالي مصفدا ، أحب إلي من أن ألقى في القيامة محمدا خائنا في
هامش
( 1 ) في نسخة : الابن ، قال المجلسي ( رحمه الله ) ، قوله : قذف الأتن ، وهو بضمتين جمع الأتان وهي الحمارة ،
والتشبيه بقذفها لكونها أشد امتناعا للحمل من غيرها ، وربما يقرأ : الابن بالباء الموحدة المفتوحة وضم
الهمزة ، جمع الابنة ، وهي العيب القبيح ، فتكون الإضافة إلى المفعول ، بحار الأنوار 40 : 349 .
( 2 ) العلالة : بقية كل شئ ، وهو مثل يضرب للرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة ، انظر : الأمثال لابن سلام :
170 و 231 ، مجمع الأمثال 2 : 3 .
( 3 ) هود 11 : 15 و 16 .
( 4 ) في نخسة : وإنما .
( 5 ) السعدان : نبت له حسك ترعاه الإبل .
( 6 ) السفا : التراب الذي تسفيه الريح وكل شجر له شوك ، والضمير في ( سفاها ) راجع إلى الأرض بقرينة المقام
أو إلى حسك السعدان ، أي ما ألقته الرياح من تلك الأشجار ، وقيل : والواو للحال عن ضمير ( مرقدا ) قدم
للسجع . وأطمار بكسر الراء على حذف ياء المتكلم ، يريد أطماره الملبوسة له بدون فراش على حدة ،
والظرف متعلق بممدد ، والضمير في ( سفاها ) لسعدان ، وممددا على صيغة اسم المفعول حال أخرى عن
ضمير ( أبيت ) ، وفائدة ذكر هذه الفقرة أن البيتوتة على حسك السعدان على قسمين ، الأول : البيتوتة على
الساقط منه والشدة فيها قليلة ، الثاني : البيتوتة عليه حين هو على الشجرة والشدة فيها عظيمة ، ولا سيما إذا لم
يكن مع فراش ، وهو المراد هنا .