إياهم ومجالسته لهم ، لخبث لسانه ، وفساد ضميره ، فأتى الصادق جعفر بن
محمد ( عليه السلام ) فجلس إليه في جماعة من نظرائه ، ثم قال له : يا أبا عبد الله ، إن
المجالس أمانات ، ولا بد لكل من كان به سعال أن يسعل ، فتأذن لي في الكلام ؟ فقال
الصادق ( عليه السلام ) : تكلم بما شئت .
فقال ابن أبي العوجاء : إلى كم تدوسون هذا البيدر ، وتلوذون بهذا الحجر ،
وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب ( 1 ) والمدر ، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر ،
من فكر في هذا أو قدر ، علم أن هذا فعل أسسه غير حكيم ولا ذي نظر ، فقل فإنك
رأس هذا الامر وسنامه ، وأبوك أسه ونظامه .
فقال الصادق ( عليه السلام ) : إن من أضله الله وأعمى قلبه ، استوخم الحق فلم
يستعذبه ، وصار الشيطان وليه ، يورده مناهل الهلكة ثم لا يصدره ، وهذا بيت استعبد
الله به خلقه ، ليختبر طاعتهم في إتيانه ، فحثهم على تعظيمه وزيارته ، وقد جعله محل
الأنبياء ، وقبلة للمصلين له ، وهو شعبة من رضوانه ، وطريق يؤدي إلى غفرانه ،
منصوب على استواء الكمال ومجتمع العظمة ، خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام ،
وأحق من أطيع فيما أمر ، وأنتهي عما نهى عنه وزجر ، الله المنشئ للأرواح والصور .
فقال ابن أبي العوجاء : ذكرت - يا أبا عبد الله - فأحلت على غائب . فقال : ويلك ،
وكيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد ، وإليهم أقرب من حبل الوريد ، يسمع
كلامهم ، ويرى أشخاصهم ، ويعلم أسرارهم ، وإنما المخلوق الذي إذا انتقل من مكان ،
اشتغل به مكان ، وخلا منه مكان ، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في
المكان الذي كان فيه ، فأما الله العظيم الشأن الملك الديان ، فإنه لا يخلو منه مكان ، ولا
يشتغل به مكان ، فلا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان ، والذي بعثه بالآيات
المحكمة والبراهين الواضحة وأيده بنصره ، واختاره لتبليغ رسالاته ، صدقنا قوله بأن
ربه بعثه وكلمه .
هامش
( 1 ) الطوب : الآجر .