فصل في حفظ الصحة بتعديل الأعراض النفسانية [ وما يتبعها ويتصل بها ]
اعلم أن البدن معرض للانفعال بسبب الانفعالات النفسانية كما تقدم ذكره ، فان الغم والهم والحسد والغضب والفكر الرديء تغير مزاج البدن وتسخنه وتضعف حرارته الغريزية وتجففه وتنهكه ، وإذا دام شيء من هذه الاعراض احدث الحمى وخاصة الدقية وقرحة السل والذبول ، فيجب في حفظ الصحة تجنب الأسباب الموقعة إلى هذه الاعراض ، ويجب التعرض للأسباب الموجبة للفرح والسرور بما يبسط النفس وينشطها ، فان ذلك يزيد في الحرارة الغريزية وينعشها ويقوي القوى ويجود الهضوم ويحسن اللون ويخصب البدن وخاصة إذا استعمل في هذا الباب ما كان منه باعتدال .
واعلم أن كل الهموم النفسية المخالفة للإرادة ضارة لجميع الناس إلّا لمن يريد أن ينقص لحمه لفرط سمنه .
فصل في العادات
العادة إذا تأكدت في تدابير الأبدان صارت مألوفة عند الطبيعة وكالطبيعة فمن اعتاد طعاما فلا يغيره في مقداره ووقته وترتيبه وكيفيته إلّا أن يكون رديئا فينتقل عنه بتدريج فإنه لا يأمن ضرره عند تغير السن وانتقال المزاج مع تكرر فعله ، وليحذر أن يتأكد له عادة رديئة في طعام أو شراب أو مجاورة هواء رديء أو حركة أو جماع أو نوم أو يقظة أو فكرة رديئة أو انفعال رديء من انفعالات النفس ، وأن يجتهد في إصابة العادة الجيدة المحمودة ولا يلزمها بتأكيد بليغ بل يتعود كل عادة وضدها مثل أن يتعب ويستريح ويشبع ويجوع ويتعود الحر والبرد وغير ذلك من العادات حتى إذا دعته الضرورة إلى شيء منها وجدها غير ضارة وخاصة لمن لا يمكنه أن يحفظ صحته على حالها ، ولا ينقل مزاجه إلى المزاج المعتدل .