لكنه يضر الدماغ والعين والعصب وينفع من سوء هضمهم ويكسر رياحهم وقراقرهم وبحسب المتوسطين ، ومما يسرع بسكر شارب الخمر أن يشربه على طعام قليل الدسومة وأن يكون قريب العهد بتعب أو حمام أو يشربه على أشياء كثيرة التبخير كالبصل والثوم والباقلي ، وأن يكون في طعامه زعفران أو يشرب من شراب قد طرح فيه بعض الافاوية ( « 1 » ) مثل العود الهندي أو السعد أو القرنفل ( « 2 » ) أو السنبل ( « 3 » ) ، أو يشرب من الأنبذة التي قد طرح فيها مثل البنج ( « 4 » ) والسابيزج ( « 5 » ) بالقصد أو يمزج الشراب بماء قد نقع فيه الشيلم ( « 6 » ) أو طبخ به كل ذلك يفعل بقصد أو يقع بالاتفاق أو يشم شارب الخمر الأشياء الطيبة الرائحة كالعنبر والعود ، أو الكريهة كالقار ( « 7 » ) والكبريت أو ريح العفن كل ذلك مما يزيد في السكر .
وأما ما يبطيء بالسكر أن يأخذ الإنسان الطعام اللذيذ المعتدل المقدار ويكون من الأطعمة التي تضاد الشراب كالمتخذ بماء الحصرم خاصة أو بماء حماض الأترج والليمون والزرشك والتفاحية وأن يقوم إلى الشراب وهو عقيب نوم وراحة ويتدرج في أخذه ويشم الماورد فالصندل والكافور وإن احتملت معدته ولم تتمدد عليه فليشرب بين اقداحه أقداحاً من الماء الصادق البرد فإنه يبطيء بسكره ، وقد ذكر بعض الفضلاء أن ههنا حجراً يسمى جمشت ( « 8 » ) إذا القيّ في كأس الشراب لا يسكر البتة ولو شرب مهما شرب وهذا شيء لا يلحقه القياس .
فصل في أنواع الأشربة
الأشربة كما قد عرفت كثيرة تتخذ من أشياء الا أن الشراب المتخذ من العنب الطري أفضلها وهو الخمر ( « 9 » ) ، ويختلف فعله بحسب اختلاف عنبه وبلده
هامش
( 1 ) ( ) الأفاوية : هي الأدوية العطرية الطيبة الرائحة التي يعالج الطبيب المريض بها . ( بحر الجواهر ) .
( 2 ) ( ) القَرَنْفُل : جنس أزهاره مشهورة تسمى : المشتري ، وهي من الفصيلة القرنفلية ، وتطلق أيضاً على جَنبة من الفصيلة الاسيّة ، تزرع في البلاد الحارَّة لاستعمال أزهارها المجففة تابلًا . ( المعجم الوسيط ) .
( 3 ) ( ) السُنْبُل : يطلق على كل حمل رفيع قشره ، وهنا على الناردين . وهو أما هندي إلى السواد طيب الرائحة ناعم الملمس صلب الأصول يجلب من الدكن وأعمالها . . . وأما الرومي فهو الاقليطي ، وهو نبت يشبه الهندي في رائحته وأفعاله لكنه أضعف . وسنبل الجبل هو المشهور بسنبل الأسد وهو المر . ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 461 ) .
( 4 ) ( ) البَنْج : بالعربية « السيكران » ، وباليونانية « أفيقوامس » ، والسريانية « أرمانيوس » ، والبربرية « أقنقيط » ويقال : « اسقيراسن » . وهو نبات ينبسط على الأرض دائرة ويرتفع وسطه دون ذراع ، شديد الخضرة ، مزغب القضبان ، غليظ الورق ، مائي ، مشقق الأطراف ، له زهر فرفيري يخلف حباً أسود وأصفر وأحمر وأبيض ، وكلها في أقماع لا فرق بينها وبين الجلنار في استدارة الأصل وتشريف الدائرة . ( التذكرة ج 1 ، ص 213 ) .
( 5 ) ( ) السابيزج : و « سابيرك » : وهو اللفاح لفاح اليبروح . ( الجامع لابن البيطار ج 3 ، ص 5 ) . وفي تذكرة الأنطاكي : يَبْرُوح : سريانية معناها : عاوزروح . وهو نبت ورقه كورق التين ، لكنه أدق ، وله زهر أبيض يخلف كالزيتونة ويطول نحو ذراع ، فإذا قلع عن أصله وجدت إنسانين معتنقين قد غطى الأنثى منهما شعر إلى الحمرة لا ينقصان جزءاً من عضو ، بخلاف اللفّاح . ( ج 1 ، ص 728 ) . وفي القانون هو : أصل اللفّاح البّري ، وهو أصل كل لفّاح ، شبيه بصورة الناس ، فلهذا يسمى يبروح ، فان اليبروح اسم صنم الطبيعي ، أي لنبات هو في صورة الناس . ( ج 1 ، ص 509 ) .
( 6 ) ( ) الشُيْلَم : نبات كالحنطة ، إلّا أنه أغبر ويستحيل إليها زمن الغرق . وهو حب إلى الحمرة رقيق كضعاف الشعير وأدق مرّ الطعم . حار يابس في الثالثة . ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 499 ) . وفي القانون أنه : حشيشة تنبت بين الحنطة . ( ج 1 ، ص 672 ) وفي الجامع عن أبي حنيفة وغيره : هو الزوان الذي يكون في الحنطة فيفسدها ويخرج منها ( ج 3 ، ص 99 ) .
( 7 ) ( ) القَار : ويقال « قير » . شيء يخرج من عيون الماء بالعراق له رائحة ، مركب من الزفت والكبريت ولونه أسود إلى حمرة ورائحته عطرية وفي طعمه فكاهه . وهو صلب وسيّال ، يوجد في تلك المياه ولا يكون ماؤه إلّا حاراً ، وقد يغلظ بالطبخ وتقيرِّ منه السفن وقفاف الخوص وغيرها ( التذكرة ج 1 ، ص 573 ) . وفي جامع المفردات قيرس : هو الشمع باليونانية وأهل المغرب يسمّون الشمع قيراً ، وأصله رومي . وقيل : هو الزفت الرطب . ( ج 4 ، ص 295 ) .
( 8 )
( ) الجمشت : حجر ابيض وأسمانجوني هو أجوده . وهو رزين شفّاف يتولد من زئبق قليل رديء وكبريت كثير جيد ، يطبخ بالحرارة ليكون ياقوتاً فتعيقه الفجاجة واليبس . ويتكون بوادي الصفراء من اعمال الحجاز . ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 274 ) . وفي الجامع أن : معدنه من قرية تسمى الصفراء على مسير ثلاثة أيام من مدينة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . ( ج 1 ، ص 231 ) .
( 9 )
( ) ينبغي التنبيه على أن الشريعة الاسلامية المقدمة حرمت الخمر وسائر المسكرات والفقاع تحريماً شديداً ، ولذا ورد النهي في القرآن الكريم عن ذلك . قال تعالى : ( يَسْئلوُنكَ عن الخَمر والمَيسر قُل فيهما أثمُ كبيرُ ومنفع للناس وإثمُهما أكبر من نفعهما . . . ) . سورة البقرة الآية : 219 . وقال تعالى : ( يا أيها الذين ءامنو إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلم رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) . سورة المائدة الآية : 90 91 . ولذلك اتفق علماء المذاهب الخمسة : الجعفرية والحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية على أن الخمر من النجاسات فيحرم شربه ، وكذا الفقاع أيضاً .