تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧

الفصل الرابع في الترجيح بين المعاني

وهذا الفصل هو ميزان الخواطر الذي يوزن به نقد درهمها ودينارها ، بل المحكّ الذي يعلم منه مقدار عيارها ، ولا يزن به إلا ذو فكرة متّقدة ، ولمحة منتقدة ، فليس كل من حمل ميزانا سمّي صرّافا ، ولا كل من وزن به سمّي عرّافا ، والفرق بين هذا الترجيح الفقهي أن هناك يرجّح بين دليلي الخصمين في حكم شرعي ، وهاهنا يرجح بين جانبي فصاحة وبلاغة في ألفاظ ومعان خطابية ؛ وبيان ذلك أن صاحب الترجيح الفقهي يرجع بين خبر التواتر مثلا وبين خبر الآحاد ، أو بين المسند والمرسل ، أو ما جرى هذا المجرى ، وهذا لا يعرض إليه صاحب علم البيان ؛ لأنه ليس من شأنه ، ولكن الذي هو من شأنه أن يرجع بين حقيقة ومجاز ، أو بين حقيقتين ، أو بين مجازين ، ويكون ناظرا في ذلك كله إلى الصناعة الخطابية ، ولربما اتفق هو وصاحب الترجيح الفقهي في بعض المواضع ؛ كالترجيح بين عام وخاص ، أو ما شابه ذلك . وكنا قد قدمنا القول في الحكم على المعاني وانقسامها ، ولنبين في هذا الفصل مواضع الترجيح بين وجوه تأويلاتها ؛ فنقول : أما القسم الأول من المعاني فلا تعلق للترجيح به ، إذا ما دلّ عليه ظاهر لفظه ولا يحتمل إلا وجها واحدا فليس من هذا الباب في شيء ، والترجيح إنما يقع بين معنيين يدل عليهما لفظ واحد . ولا يخلو الترجيح بينهما من ثلاثة أقسام : إما أن يكون اللفظ حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر ، أو حقيقة فيهما جميعا ، أو مجازا فيهما جميعا ، وليس لنا قسم رابع ، والترجيح بين الحقيقتين أو بين المجازين يحتاج إلى نظر ، وأما الترجيح بين