تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
وجهين : أحدهما : ما دل عليه ظاهر لفظه ، وهو تحريم لحم الجدي بلبن أمه خاصة ، وإذا أكل بلبن غير لبن أمه جاز ذلك ، ولم يكن حراما ، وهذا لا يأخذ به أحد من اليهود ، والوجه الآخر - وهو الذي يؤخذ به عند اليهود جميعهم - : أن أكل اللحم باللبن حرام ، كائنا ما كان من اللحوم ، إلا طائفة منهم يسمون القراءين ؛ فإنهم تأولوا فأكلوا لحم الطير باللبن ، وقالوا : إنما حرم اللحم باللبن من اللحوم ذوات الألبان ، والطير من ذوات البيض لا من ذوات الألبان . ومما يجري على هذا النهج ما يحكى عن أفلاطون أنه قال : ترك الدواء دواء ؛ فذهب بعض الأطباء أنه أراد : إن لطف المزاج ، وانتهى إلى غاية لا يحتمل الدواء ، فتركه حينئذ والإضراب عنه دواء ، وذهب آخرون إلى أنه أراد بالترك الوضع : أي وضع الدواء على الداء دواء ، يشير بذلك إلى حذق الطبيب في أوقات علاجه . ومثله في الشعر قول الفرزدق :
إذا جعفر مرّت على هضبة الحمى * فقد أخزت الأحياء منها قبورها
وهذا يدل على معنيين : أحدهما : ذم الأحياء ، والآخر : ذم الأموات ؛ أما ذم الأحياء فهو أنهم خذلوا الأموات ، يريد أنهم تلاقوا في قتالهم وقوما آخرين ففر الأحياء عنهم وأسلموهم ، أو أنهم استنجدوهم فلم ينجدوهم ، وأما ذم الأموات فهو أن لهم مخازي وفضائح توجب عارا وشنارا ، فهم يعيرون بها الأحياء ويلصقونها بهم . وعلى هذا ورد قول أبي تمام :
بالشّعر طول إذا اصطكّت قصائده * في معشر ، وبه عن معشر قصر
فهذا البيت يحتمل تأولين : أحدهما : أن الشعر يتسع مجاله بمدحك ويضيق بمدح غيرك ، يريد بذلك أن مآثره كثيرة ، ومآثر غيره قليلة ؛ والآخر : أنّ الشعر يكون ذا فخر ونباهة بمدحك ، وذا خمول بمدح غيرك ، فلفظة الطول يفهم منها ضد القصر ، ويفهم منها الفخر ، من قولنا : « طال فلان على فلان » أي فخر عليه .