تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
لدين اللّه ، فلما وقفت على ذلك الكتاب وجدته كتابا حسنا قد أجاد فيه كل الإجادة ، ولم أجد فيه مغمزا إلا في هذا الفصل الذي يتضمن حديث اللقب ، فإنه لم يأت بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة ، بل أتى فيه بكلام فيه غثاثة ، كقوله : ما يستصلحه المولى فهو على عبده حرام ، وشيئا من هذا النّسق ، وكان الأليق والأحسن أن يحتجّ بحجة فيها روح ، ويذكر كلاما فيه ذلاقة ورشاقة . وحضر عندي في بعض الأيام بعض إخواني ، وجرى حديث ذلك ، فسألني عما كان ينبغي أن يكتب في هذا الفصل ، فذكرت ما عندي ، وهو : قد علم أن للأنبياء والخلفاء خصائص يختصون بها على حكم الانفراد ، وليس لأحد من الناس أن يشاركهم فيها مشاركة الأنداد ، وقد أجرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك في أشياء نصّ عليها بحكمه ، ومن جملتها أنه نهى غيره أن يجتمع بين كنيته وبين اسمه ، وهذا مسوغ لأمير المؤمنين أن يختص بأمر يكون به مشهورا ، وعلى غيره محظورا ، وقد وسم نفسه بسمة نزلت عليه من السماء ، وتميزت به من بين المسميات والأسماء ، ثم استمرت عليها الأيام حتى خوطب بها من الحاضر والباد ، ورفعها الخطباء على المنابر في أيام الجمع ومواسم الأعياد ، وقد شاركته أنت فيها غير مراقب لمزية التعظيم ، ولا فارق بين فسحة التحليل « 1 » وحرج التحريم « 2 » ، والشرع والأدب يحكمان عليك بأن تلقى ما فرط منك بالمتاب ، ولا تحوج فيه إلى التقريع الذي هو أشد العتاب ، ومثلك من عرف الحق فأمسكه بيده ، ونسخ إغفال أمسه باستئناف التيقظ في غده ، واللّه قد رفع المؤاخذة عمن أتى الشيء خطأ لا عمدا ، وقبل التوبة ممن أخذ على نفسه بالإخلاص عهدا . فانظر أيها المتأمل كيف جئت بالخبر النبوي ، وجعلته شاهدا على هذا الموضع ؟ ولا يمكن أن يحتج في مثل ذلك إلا بمثل هذا الاحتجاج ، وما أعلم كيف شذ عن ابن زياد أن يأتي به مع أنه كان كاتبا مفلقا أرتضي كتابته ، ولم أجد في متأخري العراقيين من يماثله في هذا الفن .
هامش
( 1 ) الفسحة - بضم الفاء وسكون السين - السعة ، وتقول : لك في هذا الأمر فسحة ، وفسحة التحليل : السعة التي يقتضيها ، ومراده سائر الألقاب سوى لقب أمير المؤمنين ، وهي كثيرة . ( 2 ) الحرج - بفتح الحاء والراء - : الضيق والمشقة .