تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
صارت من أوجز الكلام ، وأكثره اختصارا ، ومن أجل ذلك قيل في حدّ المثل : إنه القول الوجيز المرسل ليعمل عليه ، وحيث هي بهذه المثابة فلا ينبغي الإخلال بمعرفتها . وأما أيام العرب فإنها تتنوّع وتتشعب ، فمنها أيام فخار ، ومنها أيام محاربة ، ومنها أيام منافرة ، ومنها غير ذلك ، ولا يخلو الناظم والناثر من الانتصاب لوصف يوم يمر به في بعض الأحوال شبيها بيوم من تلك الأيام ، ومماثلا له ؛ فإذا جاء بذكر بعض تلك الأيام المناسبة لمراده الموافقة له ، وقاس عليه يومه ؛ فإنه يكون في غاية الحسن والرّونق ؛ هذا لا خفاء به . وأما الوقائع التي وردت في حوادث خاصة بأقوام ، فإنها كالأمثال في الاستشهاد بها ، وسأبين لك نبذة منها حتى تعلم مقدار الفائدة بها : فمن ذلك أنه ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حديث بيعة الحديبية تحت الشّجرة ، وكان أرسل عثمان رضي اللّه عنه إلى مكة في حاجة عرضت له ، ولم يحضر البيعة ، فضرب رسول اللّه بيده الشمال على اليمين وقال : « هذه عن عثمان ، وشمالي خير من يمينه » . وقد استعلمت أنا هذا في جملة كتاب فقلت : ولا يعدّ البر برّا حتى يلحق الغيث بالحصور ، ويصل من لم يصله بجزاء ولا شكور ؛ فزنة الغائب بالشاهد من كرم الإحسان ، ولهذا نابت شمال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن يمين عثمان . ومن ذلك أنه ورد عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه استدعى أبا موسى الأشعري ومن يليه من العمّال ، وكان منهم الرّبيع بن زياد الحارثي ، فمضى إلى يرفأ مولى عمر « 1 » ، وسأله عما يروج عنده ، وينفق عليه ، فأشار إلى خشونة العيش ، فمضى ولبس جبة صوف ، وعمامة دسماء ، وخفا مطابقا ، وحضر بين يديه في جملة
هامش
( 1 ) قال السيد المرتضى في شرح القاموس : « ويرفأ كيمنع : مولى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، يقال : إنه أدرك الجاهلية ؛ وحج مع عمر في خلافة أبي بكر رضي اللّه عنهما ، وله ذكر في الصحيحين ، وكان حاجبا على بابه » اه .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 42 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي