وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة المشار إليها لا يخلو التشبيه فيه من أربعة أقسام أيضا : إما تشبيه مفرد بمفرد ، وإما تشبيه مركب بمركب ، وإما تشبيه مفرد بمركب ، وإما تشبيه مركب بمفرد .
والمراد بقولنا مفرد ومركب : أن المفرد يكون تشبيه شيء واحد بشيء واحد ، والمركب تشبيه شيئين اثنين ، وكذلك المفرد بالمركب ، والمركب بالمفرد ؛ فإن أحدهما : يكون تشبيه شيء واحد بشيئين ، والآخر : يكون تشبيه شيئين بشيء واحد ، ولست أعني بقولي : « تشبيه شيئين بشيئين » أنه لا يكون إلا كذلك ، بل أردت تشبيه شيئين بشيئين فما فوقهما ، كقول بعضهم في الخمر :
وكأنّها وكأنّ حامل كأسها * إذ قام يجلوها على النّدماء
شمس الضّحى رقصت فنقّط وجهها * بدر الدّجى بكواكب الجوزاء
فشبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء ؛ فإنه شبه الساقي بالبدر ، وشبه الخمر بالشمس ، وشبه الحبب الذي فوقها بالكواكب .
وإذا بيّنت أن التشبيه ينقسم إلى تلك الأقسام الأربعة فإني أقول : إن التشبيه المضمر الأداة قد قدمت القول في أنه ينقسم إلى خمسة أقسام ؛ فالقسم الأول : لا يرد إلا في تشبيه مفرد بمفرد ، والقسم الثاني : لا يرد إلا في تشبيه مفرد بمركب ، والقسم الثالث : لا يرد إلا في تشبيه مركب بمركب ، والقسم الرابع والخامس : لا يردان إلا في تشبيه مركب بمركب ؛ ألا ترى أنا إذا قلنا في القسم الأول : زيد أسد ، كان ذلك تشبيه مفرد بمفرد ، وإذا قلنا في القسم الثاني : ما مثلناه به من الخبر النبوي وهو « الكمأة جدريّ الأرض » كان ذلك تشبيه مفرد بمركب ، وكذلك بيت البحتري ، وبيت أبي تمام المشار إليهما فيما تقدم ، وإذا قلنا في القسم الثالث ما أشرنا إليه من الخبر النبوي أيضا الذي هو : « وهل يكبّ الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم » كان ذلك تشبيه مركب بمركب ، وإذا قلنا في القسم الرابع والخامس : ما مثّلنا به من بيتي الفرزدق والبحتري كان ذلك تشبيه مركب بمركب ، وإذا كان الأمر كذلك وجاءك شيء من التشبيه المضمر الأداة وهو من القسم الأول فاعلم أنه تشبيه مفرد بمفرد بمركب ، وإذا جاءك شيء من القسم الثالث