الطيف لا يدخل الجفن ، وإنما يتخيل إلى النفس ؛ وهذا كلام من لم يطعم من شجرة الفصاحة والبلاغة ، وليس مثله عندي إلا كما يحكى عن ملك الروم إذ أنشد عنده بيت المتنبي الذي هو « 1 » :
كأنّ العيس كانت فوق جفني * مناخاة فلمّا ثرن سالا
فسأل عن المعنى ففسر له ، فقال : ما سمعت بأعذب من هذا الشاعر : أرأيت من أناخ الجمل على عينه لا يهلكه .
ومن محاسن هذا القسم قول بعضهم :
تخيّره اللّه من آدم * فما زال منحدرا يرتقي
وكذلك قول الآخر :
بأبي غزال غازلته مقلتي * بين الغوير وبين شطّي بارق
عاطيته واللّيل يسحب ذيله * صهباء كالمسك الفتيق لناشق
وضممته ضمّ الكميّ لسيفه * وذؤابتاه حمائل في عاتقي
حتّى إذا مالت به سنة الكرى * زحزحته شيئا وكان معانقي
أبعدته عن أضلع تشتاقه * كي لا ينام على وساد خافق
وهذا من الحسن والملاحة بالمكان الأقصى ، ولقد خفّت معانيه على القلوب حتى كادت ترقص رقصا ، والبيت الأخير منه هو الموصوف بالإبداع ، وبه وبأمثاله أقرّت الأبصار بفضل الأسماع .
ومن هذا الضرب قول بعض المصريين يهجو إنسانا يقال له ابن طليل احترقت داره :
هامش
( 1 ) البيت من قصيدة له يمدح فيها بدر بن عمار ، وأولها قوله :بقائي شاء ليس هم ارتحالا * وحسن الصّبر زمّوا لا الجمالا