تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
إلا تفاؤلا بأنها لا تهرم ، وأنها لا تزال محبوّة من أبكار السعادة بالحبّ الذي لا يسلى والوصل الذي لا يصرم ، وهذا معنى استنبطه الخادم للدولة وشعارها ، وهو مما لم تخطّ به الأقلام في خطها ولا أجالته الخواطر في أفكارها . وغرابة هذا المعنى ظاهرة ، ولم يأت بها أحد قبلي . وبلغني من المعاني المخترعة أن عبد الملك بن مروان بنى بابا من أبواب المسجد الأقصى بالبيت المقدس ، وبنى الحجاج بابا إلى جانبه ، فجاءت صاعقة فأحرقت الباب الذي بناه عبد الملك ، فتطير لذلك ، وشقّ عليه ، فبلغ ذلك الحجاج فكتب إليه كتابا : بلغني كذا وكذا ، فليهن أمير المؤمنين أن اللّه تقبّل منه ، وما مثلي ومثله إلا كابني آدم إذ قرّبا قربانا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر ؛ فلما وقف عبد الملك على كتابه سرّي عنه . وهذا معنى غريب استخرجه الحجاج من القرآن الكريم ، وهو من المعاني المناسبة لما ذكرت فيه ؛ ويكفي الحجاج من فطانة الفكرة أن يكون عنده استعداد لاستخراج مثل ذلك . وأما المعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصورة فإنها أصعب مثالا مما يستخرج بشاهد الحال ، ولأمر ما كان لأبكارها سرّ لا يهجم على مكامنه إلا جنان الشّهم ، ولا يفوز بمحاسنه إلا من دقّ فهمه حتى جلّ عن دقة الفهم ، وللهجوم على عذارى المعاني المحميّة بحجب البواتر أيسر من الهجوم على عذارى المعاني المحمية بحجب الخواطر ، وما ذلك مما يلقيه إليك الأستاذ ، وليس يقوم به إلا الفذ ولا أقول الأفذاذ ، وأين الذي ينشئ فيحسن فيها الإنشاء ، ويبرز فيها صورا يركبها كيف يشاء ؟ ومن نظر إلى هذا الموضع حق النظر ، وأخذ فيه بالعين دون الأثر ، علم أنه مقام يزلق بمعارف الأفهام ، فكيف بمواقف الأقدام ، وليست المعاني فيه إلا كالأرواح ، ولا الألفاظ إلا كالأجسام ، فمن شاء أن يخلق خلقا من الكلام فليأت به على صورة الأناسيّ لا على صورة الأنعام ، فإن من القول الغانية التي هي أحسن من الغانية ، ومنه البهيمة التي لا تشبه إلا بالسانية . فمما جاء في هذا الباب قول أبي نواس « 1 » :
هامش
( 1 ) لم أجد هذين البيتين في باب الهجاء من ديوان أبي نواس .