شرابك في السّراب إذا عطشنا * وخبزك عند منقطع التّراب
وما روّحتنا لتذبّ عنّا * ولكن خفت مرزئة الذباب
فالبيت الثاني من هذين البيتين هو المشار إليه بأنه معنى مبتدع ، ويحكى عن الرشيد هارون رحمه اللّه أنه قال : لم يهج باد ولا حاضر بمثل هذا الهجاء .
ومن هذا الباب قول مسلم بن الوليد « 1 » :
تنال بالرّفق ما تعيا الرّجال به * كالموت مستعجلا يأتي على مهل
ومن هذا الباب قول علي بن جبلة :
تكفّل ساكن الدّنيا حميد * فقد أضحت له الدّنيا عيالا
كأنّ أباه آدم كان أوصى * إليه أن يعولهم فعالا
وهذا معنى دندن حوله الشعراء ، وفاز علي بن جبلة بالإفصاح عنه .
وقد قيل : إن أبا تمام أكثر الشعراء المتأخرين ابتداعا للمعاني ، وقد عدّت معانيه المبتدعة فوجدت ما يزيد على عشرين معنى .
وأهل هذه الصناعة يكبرون ذلك ، وما هذا من مثل أبي تمام بكبير ؛ فإني أنا عددت معانيّ المبتدعة التي وردت في مكاتباتي فوجدتها أكثر من هذه العدة ، وهي مما لا أنازع فيه ، ولا أدافع عنه ؛ فأما ما ورد لأبي تمام فمن ذلك قوله « 2 » :
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها يزيد بن مزيد الشيباني ، وأولها قوله :أجررت حبل خليع في الهوى غزل * وشمّرت همم العذّال في العذل( 2 ) البيتان من أربعة أبيات يعاتب فيها أبا دلف العجلي ، واللذان قبلهما قوله :صبرا على المطل ما لم يتله الكذب * فللخطوب إذا سامحتها عقب
على المقادير لوم إن منيت به * من عاذل وعليّ السّعي والطّلبوانظر الديوان ( ص 22 بيروت ) .