والسلامة في دنياه حين توبق موبقاتها ، وترد هي مردياتها ، وفي آخرته حين تروع رائعاتها ، وتخيف مخيفاتها ، وأن يتأدّب بأدب اللّه في التواضع والإخبات والسكينة ، وصدق اللهجة إذا نطق ، وغضّ الطرف إذا رمق ، وكظم الغيظ إذا أحفظ ، وضبط اللسان إذا أغضب ، وكفّ اليد عن المآثم ، وصون النفس عن المحارم ، وأن يذكر الموت الذي هو نازل به ، والموقف الذي هو صائر إليه ، ويعلم أنه مسؤول عما اكتسب ، مجزى عما تزمّل واحتقب ، ويتزود من هذا الممرّ لذلك المقر ، ويستكثر من أعمال البر لتنفعه ، ومن مساعي الخير لتنقذه ، ويأتمر بالصالحات قبل أن يأمر بها ، ويزدجر عن السّيّئات قبل أن يزجر عنها ، ويبتدئ بإصلاح نفسه قبل إصلاح رعيته ، فلا يبعثهم على ما يأتي ضدّه ، ولا ينهاهم عما يقترف مثله ، ويجعل ربه رقيبا عليه في خلواته ، ومروءته مانعة له من شهواته ، فإن أحق من غلب سلطان الشهوة ، وأولى من ضرع لغذاء « 1 » الحمية ؛ من ملك أزمة الأمور ، واقتدر على سياسة الجمهور ، وكان مطاعا فيما يرى ، متّبعا فيما يشاء ، يلي على الناس ولا يلون عليه ، ويقتصّ منهم ولا يقتصّون منه ، فإذا اطلع اللّه منه على نقاء جيبه ، وطهارة ذيله ، وصحة سريرته ، واستقامة سيرته ، أعانه على حفظ ما استحفظه ، وأنهضه بثقل ما حمّله ، وجعل له مخلصا من الشّبهة ، ومخرجا من الحيرة ، فقد قال اللّه تعالى :
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وقال عزّ من قائل :
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون
وقال :
اتقوا الله وكونوا مع الصادقين
إلى آي كثيرة حضّنا بها على أكرم الخلق ، وأسلم الطرق ، فالسعيد من نصبها إزاء ناظره ، والشقي من نبذها وراء ظهره ، وأشقى منها من بعث عليها وهو صادف عنها ، وأهاب إليها وهو بعيد منها ، وله ولأمثاله يقول اللّه تعالى ذكره :
أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون
.
وأمره أن يتخذ كتاب اللّه إماما متّبعا ، وطريقا متوقّعا ، ويكثر من تلاوته إذا خلا بذكره ، ويملأ بتأميله أرجاء صدره ، فيذهب معه فيما أباح وحظر ، ويقتدي به
هامش
( 1 ) في رسائل الصحابي ( ص 101 ) « من أضرع خد الحمية » .