تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
بكشف عددهم ، واعتبار عددهم ، وانتخاب خيلهم ، واستجادة أسلحتهم ، غير مجمر بعثا إذا بعثه ، ولا مستكرهه إذا وجّهه ، بل يناوب بين رجاله مناوبة تريحهم ولا تمدهم ، وترفّههم ولا تئودهم ؛ فإن في ذلك من فائدة الإجمام ، والعدل في الاستخدام ، زينا ، فليسوّ بين رجال النوب فيما عاد عليهم بعز الظفر والنصر ، وبعد الصيت والذكر ، وإحراز النفع والأجر ، ما يحق أن يكون الولاة به عاملين ، وللناس عليه حاملين ، وأن يكرر في أسماعهم ، ويثبت في قلوبهم ؛ مواعيد اللّه تعالى لمن صبر ورابط وسامح بالنفس من حيث لا يقدمون على تورط غرة ، ولا يحجمون عن انتهاز فرصة ، ولا ينكصون عن تورّد معركة ، ولا يلقون بأيديهم إلى التّهلكة ، فقد أخذ اللّه ذلك على خلقه ، والمرء أمين على دينه ، وأن يريح العملة فيما يحتاج إليه من راتب نفقات هذه الثغور وحادثها وبناء حصونها ومعاقلها ، واستطراق طرقها ومسالكها ، وإفاضة الأقوات والعلوفة فيها للمترتبين بها ، والمترددين إليها ، والحامين لها ، وأن يبذل أمانة لمن طلبه ، ويعرضه على من لم يطلبه ، ويفي بالعهد إذا عاهد ، وبالعقد إذا عاقد ، غير مخفر ذمّة ، ولا جارح أمانة ، فقد أمر اللّه تعالى بالوفاء ، فقال عز وجل :
يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود
ونهى عن النّكث ؛ فقال عزّ من قائل :
فمن نكث فإنما ينكث على نفسه
. وأمره أن يعرض من في حبوس عمله على جرائمهم ، فمن كان إقراره واجبا أقره ، ومن كان إطلاقه سائغا أطلقه ، وأن ينظر في الشّرطة والأحداث نظر عدل وإنصاف ، ويختار لها من يخاف اللّه ويتقيه ، ولا يجابي ولا يراقب فيه ، ويتقدم إليهم بقمع الجهال ، وردع الضّلّال ، وتتبع الأشرار ، وطلب الدّعّار ، مستدلين على أماكنهم ، متوغّلين إلى مكامنهم ، متولجين عليهم في مظانهم ، متوثقين ممن يجدونه منهم ، منفذين أحكام اللّه تعالى فيهم ، بحسب الذي يتبين من أمرهم ، ويصح من فعلهم ، في كبيرة ارتكبوها ، وعظيمة احتقبوها ، ومهجة إن أفاظوها واستهلكوها ، وحرمة إن استباحوها وانتهكوها ؛ فمن استحق حدا من حدود اللّه المعلومة أقاموه عليه غير مخفّفين منه ، وأحلّوه به غير مقصرين عنه ، بعد ألّا يكون عليهم في الذي يأتونه حجة ، ولا يعترضهم في وجوبه مشبهة ، فإن الواجب في الحدود أن تقام بالبينات ، وأن تدرأ بالشبهات ، فأولى ما توخّاه رعاة الرعايا فيها ألّا يقدموا عليها مع