الشعراء مدحه قصيدا ، ولا فضل للمعتزي إلى هذا النسب حتى تلحق البنوة بالأبوة ، ويضيف درجة الفضيلة إلى محتد النبوة ، وحينئذ يقال : ما أقرب الشّبه على قدم عهده ، وهذا ماء الورد بعد ذهاب ورده ، وأنت ذلك الرجل الذي تردد الشرف في مناسبه تردد القمر في منازله ، وزها المجد بمناقبه زهو الروض في خمائله ، فلآلئ حسبك تغنيك عن سؤال من وما ، وتملأ بودّك وحمدك قلبا وفما ، والحسب ما حفظت أواخره أوائله ، وأوضحت الليالي والأيام دلائله ، وأقرّت به الأعداء فما ردّت فضائله ، وهذه هي المآثر التي إذا نظمت غارت الشّعرى عليها من الشعر ، وإذا نثرت وجدت في محكم الذّكر ، وأنت صاحبها وابن صاحبها ، ومن لم يرثها عن أباعدها بل عن أقاربها ، ولو جانبت رئاستها مصانعا ، ومشيت بها الضّراء متواضعا ؛ لدلّ عليك وصفها ، وعرف منك عرفها .
وقد قلّدناك أمر هذه الأسرة الطاهرة التي هي أسرتك ، وأمرناك عليها وإمرتها إمرتك ، فتولّها تولّي من خفض لها جناحه ، وأفاض عليها سماحه ، وأنضى فيها غدوّه ورواحه ، حتى يقال : إنك الراعي الذي تناول ثلثه فأراح حسيرها ، وجبر كسيرها ، وارتاد لها خصبا ، وأوردها رفها لا غبّا ، وأذكى في كلاءتها عينا وقلبا .
ومن حقها عليك أن تنظر إلى ذات شمالها وذات يمينها ، وتتصفّح أحوالها في أمر دنياها ودينها ؛ فأوّل ذلك أن تعلّمها كتاب اللّه تعالى الذي في تعليمه نهج الصواب ، وفي تلاوته مضاعفة حسنات الثواب ، وقد مثّل قارئه بالبيت العامر وتاركه بالبيت الخراب ، وهو كتاب امتاز عن الكتب بنجوم التنزيل ، وتولى اللّه حفظه من التحريف والتبديل ، وافتتحه بالسبع المثاني التي لم ينزل مثلها في التوراة ولا في الإنجيل ، وهو الموصوف بأنه النور المستضاء به في غيابة الظلماء ، والحبل الممدود من الأرض إلى السماء ، والبحر الذي لا يستخرج لؤلؤه ومرجانه إلا الراسخون من العلماء .
وكذلك فخذ هذه الأسرة بتعليم الفضائل التي تتفاوت بها القيم ، وسسها برياضة الآداب وتهذيب الشّيم ، ولا تتركها فوضى لا يتّسم أحدها بسمة القدر المنيف ، ولا يرجع إلى حسب تليد ولا إلى سعي طريف ، وتكون غاية ما عنده من
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 211
مساهمون: محمد محي الدين عبد الحميد
ص٢١١