المقالة الأولى في الصناعة اللفظية
وهي تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : في اللفظة المفردة :
اعلم أنه يحتاج صاحب هذه الصناعة في تأليفه إلى ثلاثة أشياء : الأول منها :
اختيار الألفاظ المفردة ، وحكم ذلك اللآلئ المبدّدة ؛ فإنها تتخير وتنتقي قبل النظم ؛ الثاني : نظم كل كلمة مع أختها المشاكلة « 1 » لها - لئلا يجيء الكلام قلقا نافرا عن مواضعه ؛ وحكم ذلك حكم العقد المنظوم في اقتران كل لؤلؤة منها بأختها المشاكلة لها ؛ الثالث : الغرض المقصود من ذلك الكلام على اختلاف أنواعه ، وحكم ذلك حكم الموضع الذي يوضع فيه العقد المنظوم ، فتارة يجعل إكليلا على الرأس ، وتارة يجعل قلادة في العنق ، وتارة يجعل شنفا في الأذن « 2 » ، ولكل موضع من هذه المواضع هيئة من الحسن تخصه .
فهذه ثلاثة أشياء لا بدّ للخطيب والشاعر من العناية بها ، وهي الأصل المعتمد عليه في تأليف الكلام من النظم والنثر ؛ فالأول والثاني من هذه الثلاثة المذكورة هما المراد بالفصاحة ، والثلاثة بجملتها هي المراد بالبلاغة .
وهذا الموضع يضلّ في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم
هامش
( 1 ) في ب ، ج « مع أختها في المشاكلة لها » وهو تحريف بزيادة « في » والمشاكلة - بكسر الكاف - اسم فاعل من قولك : شاكلت فلانا ؛ إذا شابهته . وقد اجتمعت النسختان على حذف « في » من العبارة الآتية ، والمقصود بالعبارتين واحد .
( 2 ) الشنف - بفتح الشين وسكون النون - ما يجعل في الأذن من أعلى ، أما ما يجعل في أسفل الأذن فهو القرط - بضم القاف وسكون الراء - وجمع الشنف : شنوف ، مثل فلس وفلوس .
وتقول : شنف المرأة فتشنفت ، وقرطها فتقرطت ، ومن المجاز : شنف آذاننا بعذب ألفاظه .