تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
طلعة ، بل ما أودع في صوغ معنى أو نظم سجعة ، ولذلك لبيد في شعره ، أسحر من لبيد في سحره « 1 » وكلا صنعهما من الغريب العجيب ، غير أن ما يستنبط من القلب أعجب مما يدفن في القليب . وهذا المعنى مأخوذ من قصة لبيد بن الأعصم في سحره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن عرف القصة وصورتها علم ما قد ذكرته في نثر هذه الكلمات البديعة . ومن ذلك ما ذكرته في وصف المنجنيق في جملة كتاب ، فقلت : ونصب المنجنيق فجثم بين يدي السور مناصيا ، وبسط كفه إليه مواتيا ، ثم تولى عقوبته بعصاه التي تفتك بأحجاره ، وإذا عصى عليها بلد أخذت في تأديب أسواره ، فما كان إلا أن استمرت عقوبتها عليه حتى صار قائمه حصيدا وعاصيه مستقيدا ، وقال : ألم يكن نهى عن المد والتجريد فمالي لا أرى إلا مدا وتجريدا ، وعند ذلك أذعن لفتح الأبواب ، وتلا قوله تعالى :
« لكل أجل كتاب »
، وكذلك لم نأت صعبا إلا استسهل ، ولا حثثنا مطيّا إلا استعجل ، ولطالما وقف غيرنا على هذا البلد فشقه طول الانتظار ، ولم يحظ منه إلا بمساءلة المنصب أحجار الديار . في هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبوية ، وهو قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في النهي عن ضرب المحدود : « لا مدّ ولا تجريد » : أي لا يمد على الأرض ولا يجرّد عنه ثوبه .
هامش
( 1 ) لبيد الأول : هو لبيد بن ربيعة العامري الشاعر المشهور ، وهو ممن أدرك الإسلام فأسلم ، وترك قول الشعر ، وقال : إن اللّه أبدله من الشعر سورتين من الكتاب الكريم . وينسب للإمام الشافعي قوله :ولولا الشّعر بالعلماء يزري * لكنت اليوم أشعر من لبيدولبيد الثاني : هو لبيد بن الأعصم اليهودي . ويروى أنه سحر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ووضع سحره في بئر ، ويروى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم تأثر بهذا السحر حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء وهو لم يفعله ، حتى أتاه جبريل فأخبره بالسحر وبموضعه ، فلما استخرج من البئر ، وقرئت له المعوذتان قام من مرضه كأنما نشط من عقال . وقد رددنا هذه المقالة واستبعدنا حصول هذه الحادثة وبرهنا على صحة ما ادعيناه في تفسيرنا لجزء« عم يتساءلون »الذي أخرجناه منذ عامين ، فارجع إلى تفسير المعوذتين منه .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 147 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي