وقال أبو الطيب المتنبي « 1 » :
إذا شئت حفّت بي على كلّ سابح * رجال كأنّ الموت في فمها شهد « 2 »
فهاتان لفظتان هما العسل والشهد ، وكلاهما حسن مستعمل لا يشكّ في حسنه واستعماله ، وقد وردت لفظة العسل في القرآن ، دون لفظة الشهد ؛ لأنها أحسن منها ، ومع هذا فإن لفظة الشهد وردت في بيت أبي الطيب فجاءت أحسن من لفظة العسل في بيت الأعرج .
وكثيرا ما نجد أمثال ذلك في أقوال الشعراء المفلقين وغيرهم ، ومن بلغاء الكتاب ومصقعي الخطباء .
وتحته دقائق ورموز إذا علمت وقيس عليها أشباهها ونظائرها كان صاحب الكلام في النظم والنثر قد انتهى إلى الغاية القصوى في اختيار الألفاظ ووضعها في مواضعها اللائقة بها .
واعلم أن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها ؛ لأن التركيب أعسر وأشق ، ألا ترى ألفاظ القرآن الكريم من حيث انفرادها قد استعملها العرب ومن بعدهم ، ومع ذلك فإنه يفوق جميع كلامهم ويعلو عليه ، وليس ذلك إلا لفضيلة التركيب .
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها محمد بن سيار بن مكرم التميمي ، وأولها قوله :أقلّ فعالي ، بله أكثره ، مجد * وذا الجدّ فيه ، نلت أم لم أنل ، جدّ( 2 ) وقع في ب ، ج صدر هذا البيت هكذا « إذا بي مشت حفت على كل سابح » وهو تحريف ، وتصويبه عن جملة مراجع أولها الديوان . والسابح : الفرس السريع الجريء كأنه يسبح في الماء عند مشيه . والشهد : العسل ، وهو بضم الشين أو فتحها ، والهاء ساكنة .