تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
كرامتها ؛ فتلك التي تزدهي ذا الهمة أبوة وجمالا ، ولم يغله مهرها ولو بذل فيه نفسا لا مالا ، وما يظنها الخادم إلا هذه المودة التي خطبها ، وقد علت أن تكون راغبة ولكن هو الذي أرغبها ، على أنه لم يترشح لها إلا من هو من أكفائها ، وليست الكفاءة هاهنا إلا ما تبذله الضمائر من صفائها ، وقد أتاح اللّه لها كفؤا يكثر من إيناسها ، ويضعها من البرّ في محلة ناسها ، ويجعل كل يوم من أيامها عرسا حتى تتصل مواسم أعراسها . ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب ، والمعنى المأخوذ فيه من الخبر النبوي في موضعين : الأول : أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال لعائشة رضي اللّه عنها : « إنّ جبريل عليه السلام عرض عليّ صورتك في سرقة » والسرقة : حريرة بيضاء « وقال : هذه زوجتك في الدّنيا والآخرة ، فقلت : إن يكن ذلك من عند اللّه يمضه » فأخذت أنا هذا المعنى ونقلته إلى خطبة مودة ، ولا يأتي في خطبة المودات شيء أحسن منه ، ولا ألطف ، ولا أشد مقصدا ؛ الخبر النبوي الثاني : قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّما تنكح المرأة لأربع لحسبها أو لدينها أو لمالها أو لجمالها » فقلت أنا : فتلك التي تزدهي ذا الهمة أبوة وجمالا : أي قد جمعت الحسب والجمال . ومن ذلك ما ذكرته في سبب حب المال ، وهو : بين المال علاقة وكيدة وبين القلوب ، وهي له بمنزلة المحب وهو لها بمنزلة المحبوب ، وليس ذلك إلا لأن اللّه قبض قبضة من جميع الأرض فخلق آدم من تلك القبضة ، ويوشك حينئذ أن صورة قلبه تكونت من معدن الذهب والفضة ، ولولا أن يكون منهما عنصرا بدائه ، لما جعلهما الأطباء دواءه من دائه ، فلا تستغرب إذن أن تكون على حبهما مطبوعا ، إذ كان منهما مصنوعا . وهذا المعنى من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض : منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك ، والحزن والسّهل ، والخبيث والطّيّب » غير أني استنبطت أنا حبّ المال من هذا الحديث ، وهو معنى غريب لم أسبق إليه . ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام ، وهو : ليس السّحر ما أودع في جف