تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
والنثر ، فكيف الجهال الذين لم تنفحهم رائحة ؟ ومن الذي يؤتيه اللّه فطرة ناصعة يكاد زيتها يضيء ولم لم تمسه نار حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ فيضعها في موضعها . ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد ، وكلاهما حسن في الاستعمال ، وهما على وزن واحد وعدة واحدة ، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه ، بل يفرق بينهما في مواضع السبك ، وهذا لا يدركه إلا من دقّ فهمه وجلّ نظره . فمن ذلك قوله تعالى :
« ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه »
وقوله تعالى :
« رب إني نذرت لك ما في بطني محررا »
فاستعمل الجوف في الأولى والبطن في الثانية ، ولم يستعمل الجوف موضع البطن ، ولا البطن موضع الجوف ، واللفظتان سواء في الدلالة ، وهما ثلاثيتان في عدد واحد ، ووزنهما واحد أيضا ، فانظر إلى سبك الألفاظ كيف تفعل ؟ . ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى :
« ما كذب الفؤاد ما رأى »
وقوله :
« إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد »
فالقلب والفؤاد سواء في الدلالة ، وإن كانا مختلفين في الوزن ؛ ولم يستعمل في القرآن أحدهما في موضع الآخر . وعلى هذا ورد قول الأعرج من أبيات الحماسة :
نحن بنو الموت إذا الموت نزل * لا عار بالموت إذا حمّ الأجل الموت أحلى عندنا من العسل « 1 »
هامش
( 1 ) هذه الأبيات للأعرج المعنيّ ، ويقال : إنها لعمرو بن يثربي ، وقد اختارها أبو تمام في ديوان الحماسة ( وانظر شرح التبريزي : 1 - 280 ) ، وترتيب الأبيات في الحماسة ليست على ما ذكره المؤلف ، وهاك القطعة بكمالها كما وردت هناك :أنا أبو برزة إذ جدّ الوهل * خلقت غير زمّل ولا وكل ذا قوّة وذا شباب مقتبل * لا جزع اليوم على قرب الأجل الموت أحلى عندنا من العسل * نحن بني ضبّة أصحاب الجمل نحن بنو الموت إذا الموت نزل * ننعى ابن عفّان بأطراف الأسلويروى في أول هذه الأبيات « أنا أبو بردة » .