تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كتاب ، وهو : كل سطر منه روضة غير أنها ليل في صباح ، وكل معنى منه دمية غير أن ليس على مصورها من جناح . وهذا مأخوذ من الحديث في تحريم الصور « 1 » . ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم ، وهو : فأغنى بجوده إغناء المطر ، وسما إلى المعالي سموّ الشمس وسار في منازلها مسير القمر ، ونتج من أبكار فضائله ما إذا ادّعاه غيره قيل : للعاهر الحجر . وهذا المعنى من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الولد للفراش وللعاهر الحجر » . ومن ذلك ما ذكرته في وصف الفصاحة ، فقلت : أفكار الخواطر لا تستولد على انفرادها ، وغايتها أن يتناكح في استنتاج أولادها ، وأنا أنكح فكري لفكر نكاح الأنساب ، ولا أخاف أن أضوي فأميل إلى الاغتراب . وهذا مأخوذ من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الأمر بنكاح البعيدة النسب فقال : « غرّبوا لا تضووا » يريد بذلك أن الإنسان إذا نكح المرأة القريبة إليه حصل بينهما حياء يمنع من قضاء الشهوة كما ينبغي فيجيء الولد ضاويا : أي هزيلا ، وهذا معنى غريب لي استخرجته من الحديث النبوي . ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان ، جوابا عن كتاب ورد منه يتضمن الشكوى من شخص جرت بينه وبينه مخاصمة ، فقلت : وصل كتابه وهو كتاب من أكثر الشكوى ، وطلب العدوي ، ونزل من التظلم بالعدوة الدّنيا وأنزل خصمه القصوى ، والقاضي لا يحكم لأحد الخصمين حتى يحضر صاحبه ، وإن فقئت عين أحدهما فربما فقئت عين الآخر وهشم جانبه ، على أنه قد اعترف أن كليهما كان للحم أخيه آكلا ، وعليه في حال محضره جاهلا ، وسباب المؤمن معدود من فسوقه ، وإطراقه عن تورد هذا المقام أولى من طروقه ، ولولا تغليظ النكير لما
هامش
( 1 ) روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرين » وذلك أنه عليه السلام كان يخشى أن يعود التصوير بالناس إلى عبادة الأوثان ، وهي أخوف ما كان يخافه على أمته بعد أن أنقذهم اللّه به وبرسالته من الشرك والوثنية .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 143 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي