فلما رأى هذا الفصل بهت له ، وأعجب منه ، ثم إني لم أقنع بإيراد ذلك الحديث حتى قرنت به حديثا آخر ، وهو قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الأنصار كرشي وعيبتي » .
وحيث عرفتك أيها المتعلم ما تقتدي به في هذا الموضع فقد ذكرت لك أمثلة كثيرة تتدرب بها .
فمن ذلك ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب ، وهو : أعاذ اللّه أيامه من الغير ، وبيّن بخطر مجده نقص كل خطر ، وجعل ذكره زادا لكل ركب وأنسا لكل سمر ، ومنحه من فضله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .
وهذا المعنى مأخوذ من الحديث في وصف نعيم الجنة فنقلته إلى الدعاء .
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الحلم ، وهو : تركته حتى جال في الميدان ، وامتد في الأشطان ، ولم أنتصر خوفا من قيام الملك وقعود الشيطان ، والحليم لا يظهر أثر حلمه إلا عند تلدّده ، والكظيم هو أشد ما يخاف من تبدده .
وهذا المعنى أخذته من قصة أبي بكر رضي اللّه عنه في خصامه ، فإنه بغي عليه ثلاث مرات وهو ساكت ، ففي الثالثة انتصر ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان الملك جالسا إلى جانب أبي بكر يكذب خصمه بما يقول فلما انتصر قام الملك وقعد الشّيطان » .
ومن ذلك ما ذكرته في النصرة على العدو في موطن القتال ، وهو : أخذنا بسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في النصر الذي نرجوه ، ونبذنا في وجه العدو كفّا من التراب وقلنا :
شاهت الوجوه ، فثبّت اللّه ما تزلزل من أقدامنا ، وأقدم حيزوم فأغنى عن إقدامنا .
وهذان المعنيان أحدهما : مأخوذ من حديث غزوة حنين ، وما فعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أخذ قبضة من التراب وألقاها في وجوه الكفار وقوله : « شاهت الوجوه » ؛ والمعنى الآخر : مأخوذ من حديث غزوة بدر ، وذاك أن رجلا من المسلمين لاقى رجلا من الكفار وأراد أن يضربه فخر على الأرض ميتا قبل أن يصل إليه ، وسمع الرجل المسلم صوتا من فوقه ، وهو يقول : « أقدم حيزوم » فجاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبره ، فقال : « ذاك من مدد السّماء الثّالثة » .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 140
مساهمون: محمد محي الدين عبد الحميد
ص١٤٠