تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
بمعنى إلا أنتجته من غير ما تهمله ، وأتت به قومها تحمله ، ولم يعرض على ملأ من البلغاء إلا ألقوا أقلامهم أيّهم يستعيره لا أيهم يكفله . وفي هذين السطرين آيتان من القرآن الكريم : الأولى في سورة مريم ، وقصتها وقصة ولدها عليهما السلام ، وهي قوله تعالى :
فأتت به قومها تحمله
والثانية في سورة آل عمران في قوله :
إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم
. ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن وصف القلم ، فقلت : وقد أوحى اللّه تعالى إلى قلمه ما أوحاه إلى النحل ، غير أنها تأوي إلى المكان الوعر وهو يأوي إلى البيان السّهل ، ومن شأنه أن يجتني من ثمرات ذات أرواح لا ذات أكمام ، ويخرج من نفثاته شراب مختلف طعمه فيه شفاء للأفهام ، وأين ما تنبته كثافة الخشب مما تنبته لطافة المعنى ، ولا تستوي نضارة هذا الثمر وهذا الثمر ولا طيب هذا المجنى وهذا المجنى ، وقد أرخص اللّه ما يكثر وجوده فيذهب في لهوات الأفواه ، وأغلى ما يعز وجوده فيبقى خالدا على ألسنة الرّواة ، وكل هذه الأوصاف لا تصح إلا في قلم سيدنا الذي إذا خلا بخاطره امتلأت بحديثه المحافل ، وإذا حلا كتابه وحدت الكتب الحالية من قبله وهي عواطل ، فله حينئذ أن ينظر إلى غيره بعين الاحتقار ، ولواصفه أن يسهب وهو قائم مقام الاختصار . هذا الفصل غريب عجيب ، وقد جمع بين الأضداد ، فمناله بعيد ، وفهمه قريب ، وهو مأخوذ من سورة النحل . ومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل ، وهو : له شيمة في الجود لا يشام نائلها ، وإذا هزّها سائلها قال : إنها كلمة هو قائلها . وهذا مأخوذ من سورة المؤمنين . ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب ، وهو : وصل كتابه فوقف منه على اللفظ الرخيم ، والمعنى الذي هو في كل واد يهيم ، وقال : يا أيّها الملأ إنّي ألقي إليّ كتاب كريم ، ثم أخذ في إعلاء قدره ، وتنويه ذكره ، ولم يستفت الملأ في الإذعان لأمره ، ولا أهدى في قبالته سوى هدية لسانه وصدره ، لا جرم أنها تقبل ولا ترد ،