المستقيم ، والمملوك يقبّل اليد الكريمة المولوية الملكية العادلية لا زال عرفها مأمولا ، وإحسانها عند اللّه مقبولا ، وفعلها في المكرمات مبتدعا إذا كان فعل الأيادي مفعولا ، ونستغيث إلى عفوها الذي يكفي فيه لفظة الاعتذار ، ولا ينفد بمواظبة الآصار ، ولو عرف ذنبه باديا لقرع له سن الندامة ، وعاد على نفسه بالملامة . ولما كان عجيبا أن يكون مليما ، وأن يكون مولانا كريما ، لكنه حمل آصرة الذنب وهو بريء من حملها ، وخاف أن تكون هذه كأخواتها التي سلفت من قبلها ، والأمور المتشابهة يقاس البعض منها على البعض ، والملسوع لا يستطيع أن يرى مجرّ حبل على الأرض ، ولم يجترم الملوك الآن جريمة سوى أن فر إلى الاعتصام ، وألقى بيده إلى أقوام لم يكونوا له بأقوام ، وإذا ضاق على المرء أقربه كان الأبعد له من ذوي الأرحام .
وليس بأوّل من ذهب هذا المذهب ، ولا بأول من حمل نفسه على ركوب هذا المركب ، ولئن قال بعض الناس إنه عجّل في اعتصامه وفراره ، وإنه لو صبر ابتلي بما ابتلي به من قوارص مولانا مرة بعد أخرى ، ولقد تكاثرت عليه هذه الأقوال المؤنبة حتى ملأت طرفه كحل السّهاد ، وجنبه شوك القتاد ، وأصبح وهو يرى أنه زلق في خطيئته زلقا ، وغص بندمه من أجلها شرقا ، وبدت له سوأته حتى طفق يخصف عليها ورقا ، ومع هذا فإنه واثق أن حلم مولانا لا يؤتى من الزلل ، وأن حصاة الذنوب لا تخف بوزن ذلك الجبل ، وها هو قد جاء نازعا وللنازع العتبى ، وعاد مستشفعا ولا شفيع أكرم من القربى .
ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب .
وفي الذي أوردته من هذا الفصل معنى آية من القرآن في سورة الأعراف ، وهي قوله تعالى :
فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة
.
ومن ذلك ما كتبته عن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان بن مسعود صاحب الموصل إلى الديوان العزيز ببغداد بعد وفاة والده يسأل في التقليد ، وكان عمره إذ ذاك ستّ عشرة سنة ؛ فمما جاء في صدر الكتاب بعد الدعاء قولي ، وهو :
إذا توفّي وليّ من أولياء الدولة فمن السّنّة أن يعزى بفقده ، ويستخرج إذنها في سليله