وإعجامه بالضرب والطعن ، فكأنني عكست المعنى الذي ذكره أبو تمام ، وهذا مقصد في حل الأبيات الشعرية حسن ، فإن استخراج المعنى من عكسه أدقّ من استخراجه من نفسه ، وقد نبهت على ذلك في مواضع أخر من هذا الباب .
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن فتحا من فتوح الكفار ، وهو :
وأقبلت أحزاب الكفر وهي معتصمة بصليبها ، ورفعته على أعواد عالية كهيئة خطيبها ، ولم تعلم أن اللّه كتب عليه الهوان بعد تلك الكرامة ، وأنه ذو شعب أربع والتربيع نحس في حكم النّجامة « 1 » وكيف ترجو بكفرها ظهورا ولها منه معنى الاختفاء وللإسلام معنى السلامة ؛ ولما التقى الجمعان اصطفقت يمين وشمال ، وزحفت جبال إلى جبال ، وكثرت النفوس على المنايا حتى كادت لا تفي بالآجال ، وأقدمت الخيل إقدام فرسانها ، وأظلم النقع فلا تبصر إلا بآذانها ، ونالت النحور ثأرها من كعوب الرماح ، واشتكت الأسنّة فلا طريق بينها لمهبّ الرياح ، واستؤصلت شجرة الكافرين بالقطع لا بالجداد ، وحال حدّ السيف دون حديد الأصفاد ، ونقلوا إلى جهنم يصلونها وبئس المهاد ، وانقلب المسلمون وقد ملئوا الأغماد نصرا ، والصحائف أجرا ، والأيدي وقرأ ، والقلوب جذلا والألسنة شكرا ، وكان ذلك اليوم في الأيام علما ، وفي الأقسام قسما ، ولم يره الزمان منسوبا إليه إلا راجع شبابا بعد أن ناهز هرما .
في هذا الفصل شيء من معاني الشعر ، وذلك من قول أبي الطيب المتنبي « 2 » :
هامش
( 1 ) قال ابن أبي الحديد : « لفظة النجامة لفظة رديئة مستفلة ، على أنا لا نعرف صحتها وجوازها ، ولا سمعناها اسما للتنجيم ، ولا مصدرا » اه - .
( 2 ) من قصيدة له يمدح فيها سيف الدولة ، وكان سيف الدولة قد كتب إليه يستدعيه ، وأولها قوله :فهمت الكتاب أبرّ الكتب * فسمعا لأمر أمير العرب
وطوعا له وابتهاجا به * وإن قصّر الفعل عمّا وجب