هذا العالم المنظوم المحكَم إلى صانع مدبّر حي عالم سميع بصير قادر .
وهذه المعرفة لها طرفان : أحدهما متعلّق بالعالم ، ومعلومه احتياجه إلى مدبّر ؛ والآخر متعلّق بالله ، ومعلومه أسامي مشتقّة من صفات غير داخلة في حقيقة الذات ومهيته .
وقد ثبت أنّه إذا أشار المشير إلى شئ وقال : ما هو ؟ لميكن ذكر الأسماء المشتقّة جواباً أصلًا ؛ فلو أشار إلى شخص حيوان فقال : ما هو ؟ فقال : طويل أو أبيض أو بصير ، أو أشار إلى ماء فقال : ما هو ؟ فأجاب بأنّه بارد ، أو إلى النّار فقال : حارّ ؛ فقال : كلّ ذلك ليس بجواب عن المهية البتّة ، والمعرفة بالشئ هي معرفة حقيقته وماهيته لامعرفة الأسامى المشتقّة ، فإنّ قولنا : حارّ ، معناه شئ مبهم له وصف الحرارة ، وكذلك قولنا : قادر وعالم ، معناه شئ مبهم له وصف العلم والقدرة .
وأمّا قولنا أنّه واجب الوجود فهو عبارة عن استغنائه عن الفاعل وهذا يرجع إلى سلب السّبب عنه ، وقولنا : إنّه يوجد عنه كلّ موجود ، يرجع إلى إضافة الأفعال إليه ، وإذا قيل لنا : ما هذا الشئ ، فقلنا : هو الفاعل ، لميكن جواباً وإذا قلنا هو الّذى له سبب لميكن جواباً ، فكيف قولنا هو الّذى لا سبب له ؛ لأنّ كلّ ذلك إخبار عن غيرذاته إمّا بنفي أو إثبات ، وكلّ ذلك في أسماء وصفات وإضافات ؛ فنهاية معرفة العارفين عجزهم عن معرفته ، ومعرفتهم بالحقيقة أنّهم لا يعرفونه وأنّهم لا يمكنهم البتّة معرفته ، وأنّه يستحيل أن يعرف الله المعرفة الحقيقية المحيطة بكنه صفات الربوبية إلّا الله تعالى ، فإذا انكشف بهم ذلك انكشافاً برهانياً فقد عرفوه ، أي بلغوا المنتهى الّذى يمكن في حقّ الخلق من معرفته .
مجموعة رسائل — صفحة 142
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٤٢