فهذا هو الّذى يقال فيه : أنّه فنى في التوحيدوأنّه فنى من نفسه ، وإليه الإشارة بقول من قال : كنّا بنا ففنينا عنّا فبقينا بلا نحن .
فهذه أمور معلومة عند ذوى البصائر أشكلت لضعف الأفهام عن دركها وقصور قدرة العلماءعن إيضاحها وبيانها بعبارة مفهمة موصلة للغرض إلى الأفهام ، أو لاشتغالهم بأنفسهم واعتقادهم أنّ بيان ذلك لغيرهم ممّا لا يعينهم ، فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى .
وأنضم إليه : أنّ المدركات كلّها الّتى هي شاهدة على الله إنّما يدركها الإنسان في الصّبى عند فقد العقل قليلًا قليلًا ، وهو مستغرق الهمّ بشهواته وقد أنس بمدركاته ومحسوساته وآلفها ، فسقط وَقْعها عن قلبه بطول الأنس ، ولذلك إذا رأى على سبيل الفجأة حيواناً غريباً أو فعلًا من أفعال الله خارقاً للعادة عجيباً انطلق لسانه بالمعرفة طبعاً فقال : سبحان الله ! ، وهو يرى طول النهار نفسه وأعضاءه وساير الحيوانات المألوفة ، وكلّها شواهد قاطعة ، ولا يحسّ بشهادتها لطول الأنس بها .
ولو فرض أكمه بلغ عاقلًا ثمّ انقشعت ( « 1 » ) غشاوة عليه فامتدّ بصره إلى السّماء والأرض والأشجار والنّبات والحيوان دفعةً واحدةً على سبيل الفجأة يخاف على عقله أن ينبهر ، لعظم تعجّبه من شهادة هذه العجايب على خالقها .
فهذا وأمثاله من الأسباب مع الانهماك في الشهوات الّتى سدّت على الخلق سبيل الاستضائة بأنوار المعرفة والسباحة في بحارها الواسعة ، والجليات إذا صارت مطلوبةً
هامش
( 1 ) - قشعت بالريح السّحاب أي كشفته ، فانقشع .