بين الشيئين في الدلالة ؛ ولكن دلالته عامّة في الأشياء على نسق واحد ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه ، فلا جرم أورث شدّة الظهور خفاء ؛ فهذا هو السبب في قصور الأفهام .
وأمّا من قويت بصيرته ولم يضعف مُنّته ( « 1 » ) فإنّه في حال اعتدال أمره لا يرى إلّا الله وأفعاله ، وأفعاله أثر من آثار قدرته فهي تابعة له ، فلا وجود لها بالحقيقة ، وإنّما الوجود للواحد الحقّ الّذى به وجود الأفعال كلّها ؛ ومَن هذا حاله فلا ينظر في شئ من الأفعال إلّا ويرى فيه الفاعل ، ويذهل عن الفعل ( « 2 » ) من حيث أنّه سماء وأرض وحيوان وشجر بل ينظر فيه من حيث أنّه صنع ، فلا يكون نظره مجاوزاً له إلى غيره كمن نظر في شِعر إنسان أو خطّه أو تصنيفه ورأى فيه الشاعر والمصنّف ، ورأى آثاره من حيث هو آثاره لامن حيث أنّه حِبْر وعَفْص وزاج ( « 3 » ) مرقوم على بياض ، فلا يكون قد نظر إلى غير المصنّف .
فكلّ العالم تصنيف الله تعالى ، فمن نظر إليها من حيث أنّها فعل الله ( عز وجل ) وعرّفها من حيث أنّها فعل الله وأحبّها من حيث أنّها فعل الله لميكن ناظراً إلّا في الله ولا عارفاً إلّا بالله ، وكان هو الموحّد الحقّ الّذى لا يرى إلّا الله ، بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه بل من حيث هو عبد الله .
هامش
( 1 ) - المُ - نَّة : القوّة .
( 2 ) - نَسَى الفعل لشُغلٍ .
( 3 ) - الحِبْر : المداد تكتب به ، عَفْص : نُتُوء يحصل على شجرة البلوط ونباتات أخرى الّتي منها يُتّخذ الحِبر ، الزاج : ملح يُصبغ به .